الجصاص

122

أحكام القرآن

والجزية والجزاء واحد ، وهو أخذ المال منهم عقوبة وجزاء على إقامتهم على الكفر ، ولم يذكر في الآية لها مقدارا معلوما ، ومهما أخذ منهم على هذا الوجه فإن اسم الجزية يتناوله . وقد وردت أخبار متواترة عن أئمة السلف في تضعيف الصدقة في أموالهم على ما يؤخذ من المسلمين ، وهو قول أهل العراق وأبي حنيفة وأصحابه والثوري ، وهو قول الشافعي . وقال مالك في النصراني إذا أعتقه المسلم : " فلا جزية عليه ، ولو جعلت عليه الجزية لكان العتق قد أضر به ولم ينفعه شيئا " ، ولا يحفظ عن مالك في بني تغلب شيئا . وروى يحيى بن آدم قال : حدثنا عبد السلام عن أبي إسحاق الشيباني عن السفاح عن داود بن كردوس عن عمارة بن النعمان أنه قال لعمر بن الخطاب : يا أمير المؤمنين إن بني تغلب قد علمت شوكتهم وأنهم بإزاء العدو ، فإن ظاهروا عليك العدو اشتدت مؤنتهم ، فإن رأيت أن تعطيهم شيئا فافعل ! فصالحهم على أن لا يغمسوا أولادهم في النصرانية وتضاعف عليهم الصدقة ، قال : وكان عمارة يقول : قد فعلوا فلا عهد لهم . وهذا خبر مستفيض عند أهل الكوفة وقد وردت به الرواية والنقل الشائع عملا ، وهو مثل أخذ الجزية من أهل السواد على الطبقات الثلاث ووضع الخراج على الأرضين ونحوها من العقود التي عقدها على كافة الأمة فلم يختلفوا في نفاذها وجوازها . وقد روي عن علي أنه قال : " لئن بقيت لنصارى بني تغلب لأقتلن المقاتلة ولأسبين الذرية ، وذلك إني كتبت الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ينصروا أولادهم " ولم يخالف عليا في ذلك أحد من الصحابة ، فانعقد به إجماعهم وثبت به اتفاقهم . وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : " المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويعتقد عليهم أولهم " ، ومعناه والله أعلم جواز عقود أئمة العدل على الأمة . فإن قيل : أمر الله بأخذ الجزية منهم فلا يجوز لنا الاقتصار بهم على أخذ الصدقة منهم وإعفاؤهم من الجزية . قيل له : الجزية ليس لها مقدار معلوم فيما يقتضيه ظاهر لفظها وإنما هي جزاء وعقوبة على إقامتهم على الكفر ، والجزاء لا يختص بمقدار دون غيره ولا بنوع من المال دون ما سواه ، والمأخوذ من بني تغلب هو عندنا جزية ليست بصدقة وتوضع موضع الفيء ، لأنه لا صدقة لهم ، إذ كان سبيل الصدقة وقوعها على وجه القربة ولا قربة لهم ، وقد قال بنو تغلب : نؤدي الصدقة ومضاعفة ولا نقبل أداء الجزية ، فقال عمر : هو عندنا جزية وسموها أنتم ما شئتم . فأخبر عمر أنها جزية وإن كانت حقا مأخوذا من مواشيهم وزرعهم . فإن قيل : لو كانت جزية لما أخذت من نسائهم لأن النساء لا جزية عليهن . قيل له : يجوز أخذ الجزية من النساء على وجه الصلح ، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بعض