الجصاص
115
أحكام القرآن
علي حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبلغ عنه سورة براءة نادى : " ولا يحج العام مشرك " وفي ذلك دليل على المراد بقوله : ( فلا يقربوا المسجد الحرام ) . ويدل عليه قوله تعالى في نسق التلاوة : ( وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ) وإنما كانت خشية العيلة لانقطاع تلك المواسم بمنعهم من الحج لأنهم كانوا ينتفعون بالتجارات التي كانت تكون في مواسم الحج ، فدل ذلك على أن مراد الآية الحج . ويدل عليه اتفاق المسلمين على منع المشركين من الحج والوقوف بعرفة والمزدلفة وسائر أفعال الحج وإن لم يكن في المسجد ، ولم يكن أهل الذمة ممنوعين من هذه المواضع ، ثبت أن مراد الآية هو الحج دون قرب المسجد لغير الحج ، لأنه إذا حمل على ذلك كان عموما في سائر المشركين وإذا حمل على دخول المسجد كان خاصا في ذلك دون قرب المسجد ، والذي في الآية النهي عن قرب المسجد ، فغير جائز تخصيص المسجد به دون ما يقرب منه . وقد روى حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص : أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهم قبة في المسجد ، فقالوا : يا رسول الله قوم أنجاس ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنه ليس على الأرض من أنجاس الناس شيء إنما أنجاس الناس على أنفسهم " . وروى يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب : " أن أبا سفيان كان يدخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وهو كافر " ، غير أن ذلك لا يحل في المسجد الحرام لقول الله تعالى : ( فلا يقربوا المسجد الحرام ) . قال أبو بكر : فأما وفد ثقيف فإنهم جاؤوا بعد فتح مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، والآية نزلت في السنة التي حج فيها أبو بكر وهي سنة تسع ، فأنزلهم النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد وأخبر أن كونهم أنجاسا لا يمنع دخولهم المسجد ، وفي ذلك دلالة على أن نجاسة الكفر لا تمنع الكافر من دخول المسجد . وأما أبو سفيان فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم لتجديد الهدنة وذلك قبل الفتح ، وكان أبو سفيان مشركا حينئذ ، والآية وإن كان نزولها بعد ذلك فإنما اقتضت النهي عن قرب المسجد الحرام ولم تقتض المنع من دخول الكفار سائر المساجد . فإن قيل : لا يجوز للكافر دخول الحرم إلا أن يكون عبدا أو صبيا أو نحو ذلك ، لقوله تعالى : ( فلا يقربوا المسجد الحرام ) ولما روى زيد بن يثيع عن علي رضي الله عنه أنه نادى بأمر النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يدخل الحرم مشرك " . قيل له : إن صح هذا اللفظ فالمراد أن لا يدخله للحج ، وقد روي في أخبار عن علي أنه نادى أن لا يحج بعد العام مشرك ، وكذلك في حديث أبي هريرة ، فثبت أن المراد دخول الحرم للحج . وقد روى شريك عن أشعث عن الحسن عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يقرب المشركون المسجد الحرام بعد عامهم هذا إلا أن يكون عبدا أو أمة يدخله لحاجة " ، فأباح دخول العبد والأمة