الجصاص

107

أحكام القرآن

الزهري عن أنس قال : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب كافة فقال عمر : يا أبا بكر أتريد أن تقاتل العرب كافة ! فقال أبو بكر : إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة منعوني دماءهم وأموالهم " . والله لو منعوني عقالا مما كانوا يعطون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه . وروى مبارك بن فضالة عن الحسن قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب عن الاسلام إلا أهل المدينة ، فنصب أبو بكر لهم الحرب فقالوا : فإذا نشهد أن لا إله إلا الله ونصلي ولا نزكي ، فمشى عمر والبدريون إلى أبي بكر وقالوا : دعهم فإنهم إذا استقر الاسلام في قلوبهم وثبت أدوا ! فقال : والله لو منعوني عقالا مما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه ! وقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاث : شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وقال الله تعالى : ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) والله لا أسأل فوقهن ولا أقصر دونهن ! فقالوا له : يا أبا بكر نحن نزكي ولا ندفعها إليك ، فقال : لا والله حتى آخذها كما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأضعها مواضعها ! وروى حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين مثله . وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر وارتد من ارتد من العرب ، بعث أبو بكر لقتال من ارتد عن الاسلام ، فقال له عمر : يا أبا بكر ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " ؟ فقال : لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه . فأخبر جميع هؤلاء الرواة أن الذين ارتدوا من العرب إنما كان ردتهم من جهة امتناعهم من أداء الزكاة ، وذلك عندنا على أنهم امتنعوا من أداء الزكاة على جهة الرد لها وترك قبولها ، فسموا مرتدين من أجل ذلك . وقد أخبر أبو بكر الصديق أيضا في حديث الحسن أنه يقاتلهم على ترك الأداء إليه وإن كانوا معترفين بوجوبها ، لأنهم قالوا بعد ذلك نزكي ولا نؤديها إليك ، فقال : لا والله حتى آخذها كما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم ! وفي ذلك ضربان من الدلالة ، أحدهما : أن مانع الزكاة على وجه ترك التزامها والاعتراف بوجوبها مرتد وأن مانعها من الإمام بعد الاعتراف بها يستحق القتال ، فثبت أن من أدى صدقة مواشيه إلى الفقراء أن الإمام لا يحتسب له بها وأنه متى امتنع من دفعها إلى الإمام قاتله عليها ، وكذلك قال أصحابنا في صدقات المواشي . وأما زكاة الأموال فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر قد كانوا يأخذونها كما يأخذون صدقات المواشي ، فلما كان أيام عثمان خطب الناس فقال : " هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده ثم ليزك بقية ماله " فجعل الأداء