الجصاص

10

أحكام القرآن

أما القياس الذي ذكره فهو دعوى محض لم يرده على أصل فلا يستحق الجواب ، على أنه منتقض بالإيمان والشهادتين وكذلك في التلبية والاستيذان وما شاكل هذا ، لأن هذه إذا كانت ليست بواجبة في استدامتها وانتهائها ومع ذلك فهي واجبة في الابتداء . وإنما قلنا إن ترك التسمية ناسيا لا يمنع صحة الذكاة ، من قبل أن قوله تعالى : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) خطاب للعامد دون الناسي ، ويدل عليه قوله تعالى في نسق التلاوة : ( وإنه لفسق ) ، وليس ذلك صفة الناسي ، ولأن الناسي في حال نسيانه غير مكلف للتسمية ، وروى الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمير عن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ، وإذا لم يكن مكلفا للتسمية فقد أوقع الذكاة على الوجه المأمور به فلا يفسده ترك التسمية ، وغير جائز إلزامه ذكاة أخرى لفوات ذلك منه ، وليس ذلك مثل نسيان تكبيرة الصلاة أو نسيان الطهارة ونحوها ، لأن الذي يلزمه بعد الذكر هو فرض آخر ، ولا يجوز أن يلزمه فرض آخر في الذكاة لفوات محلها . فإن قيل : لو كانت التسمية من شرائط الذكاة لما أسقطها النسيان ، كترك قطع الأوداج . وهذا السؤال للفريقين : من أسقط التسمية رأسا ، ومن أوجبها في حال النسيان ، فأما من أسقطها فإنه يستدل علينا باتفاقنا على سقوطها في حال النسيان ، وشرائط الزكاة لا يسقطها النسيان كترك قطع الأوداج ، فدل على أن التسمية ليست بشرط فيها ، ومن أوجبها في حال النسيان يشبهها بترك قطع الحلقوم والأوداج ناسيا أو عامدا أنه يمنع صحة الذكاة . فأما من أسقط فرض التسمية رأسا فإن هذا السؤال لا يصح له ، لأنه يزعم أن ترك الكلام من فروض الصلاة وكذلك فعل الطهارة وهما جميعا من شروطها ، ثم فرق بين تارك الطهارة ناسيا وبين المتكلم في الصلاة ناسيا ، وكذلك النية شرط في صحة الصوم وترك الأكل أيضا شرط في صحته ، ولو ترك النية ناسيا لم يصح صومه ولو أكل ناسيا لم يفسد صومه ، فهذا سؤال ينتقض على أصل هذا السائل . وأما من أوجبها في حال النسيان واستدل بقطع الأوداج فإنه لا يصح له ذلك أيضا ، لأن قطع الأوداج هو نفس الذبح الذي ينافي موته حتف أنفه وينفصل به من الميتة ، والتسمية مشروطة لذلك لا على أنها نفس الذبح بل هي مأمور بها عنده في حال الذكر دون حال النسيان ، فلم يخرجه عدم التسمية على وجه السهو من وجود الذبح ، فلذلك اختلفا . قوله تعالى : ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ) الآية . الحرث الزرع ، والحرث الأرض التي تثار للزرع ، قال ابن عباس وقتادة : " عمد أناس من أهل الضلالة فجزأوا من حروثهم ومواشيهم جزأ لله تعالى وجزأ لشركائهم ، فكانوا إذا خالط