الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

66

نفحات الولاية

من أهل المدينة وغيرها ، وصار معظم الناس إلباً عليه ، وقلّ عدد المصريين بالنسبة إلى ما اجتمع من الناس على حصره ، ومطالبته بخلع نفسه ، وتسليم مروان وغيره من بني اميّة إليهم ، وعزل عمّاله والاستبدال بهم ، ولم يكونوا حينئذٍ يطلبون نفسه ، ولكن قوماً منهم ومن غيرهم تسوروا داره ، فرماهم بعض عبيده بالسهام ، فجرح بعضهم ، فقادت الضرورة إلى النزول ، والإحاطة به ، وتسرع إليه واحد منهم وقتله ، ثمّ إنّ ذلك القاتل قُتِل بالوقت ، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم وشرحناه ، فلا يلزم من فسق ذلك القاتل وعصيانه أن يفسق الباقون ، لأنّهم ما أنكروا إلّاالمنكر ، وأمّا القتل فلم يقع منهم ، ولا راموه ولا أرادوه ، فجاز أن يقال : إنّهم غضبوا للَّه ، وأن يثني عليهم ويمدحهم » « 1 » . وقد وافق بعض شرّاح نهج البلاغة على هذا الكلام والتقرير ، ويظهر من كلماتهم أنّ هذا الكلام خالٍ من التكلّف ، لأنّ القرائن التاريخيّة من جهة تشير إلى أنّ الإمام علي عليه السلام لم يؤيد أحداً على قتل عثمان بل كان مانعاً عن قتله ، رغم أنّه كان يعترض بشدّة على أعمال عثمان وتسليطه أفراد من بني اميّة الفاسدين على أموال وأرواح المسلمين ، ومن جهة أخرى أنّ الرسالة مورد البحث تشير إلى أنّ قيام أهالي مصر يستحق الثناء والتبجيل ، ويمكن الجمع بين هذين الأمرين بما ذكر آنفاً وأنّ كلام الإمام عليه السلام في هذه الرسالة لا يدلّ اطلاقاً على مدح قتلة عثمان « 2 » . وضمناً فقد بيّن الإمام في هذه الرسالة خصوصيات المجتمع الفاسد في عبارات موجزة وذلك بقوله : إنّ مثل هذا المجتمع هو الذي تظهر فيه المعاصي والمنكرات وتتكرس فيه حالات الجور والظلم لتستوعب جميع الأخيار والأشرار ، فلا أمان لأحد لا في المدن ولا في البراري وأنّ الرذائل ستشتد وتقوى على حساب الفضائل . * * *

--> ( 1 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 16 ، ص 156 . ( 2 ) . شرح نهج البلاغة ، لابن ميثم وفي ظلال نهج البلاغة .