الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
59
نفحات الولاية
ومطولًا يقول فيه : « وأمّا قولك إني من الساعين عليه ، والخاذلين له ، والسافكين دمه ، وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك منّي ، فأقسم باللَّه لأنت المتربص بقتله ، والمحبّ لهلاكه ، والحابس الناس عنه على بصيرة في أمره ، ولقد آتاك كتابه وصريخه يستغيث بك ويستصرخ ، فما حفلت به ، حتى بعثت إليه معذراً بأجرة ، أنت تعلم أنّهم لن يتركوه حتى يُقتل ، فقُتل كما كنت أردت ، ثمّ علمت عند ذلك أنّ الناس لن يعدلوا بيننا وبينك ، فطفقت تنعى عثمان وتلزمنا دمه ، وتقول : قتل مظلوماً ، فإن يك قتل مظلوماً فأنت أظلم الظالمين ، ثمّ لم تزل مصوّباً مصعّداً ، وجاثماً ورابضاً ؛ تستغوي الجهّال ، وتنازعنا حقّاً بالسفهاء حتى أدركت ما طلبت . . . « وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ » » « 1 » ( وهذه الجملة الآية مقتبس من الآية 111 من سورة الأنبياء ) . ويستفاد من رسالة معاوية إلى ابن عباس ، وكذلك رسالته للإمام عليه السلام ، أنّه كان ينسب بكلّ وقاحة ، ما كان سهيماً فيه للوصول إلى أهدافه ومطامعه ، لأيشخص يريد لكي يثير إحساسات العامّة من الناس ضده ويجعله يستسلم لمطالبه ويذعن لخلافته ، في حين أنّ جميع الشواهد التاريخيّة تشير إلى أنّ معاوية كان في باطنه يرغب في قتل عثمان ولم يتقدم خطوة لنصرته ، مع أنّ عثمان طلب منه بصراحة النصرة والمساعدة ، وعلى حدّ تعبير محمّد بن مسلمة الأنصاري الذي كتبه في جواب معاوية ، أنت في حياة عثمان لم تقدم على نصرته بل نصرته بعد موته : « وَلَئن كُنْتَ نَصرتَ عُثْمانَ مَيِّتاً لَقَدْ خَذَلْتَهُ حَيّاً » « 2 » . وذكرنا في الجزء الأوّل من هذا الكتاب ، ص 421 ، والجزء الثاني ، ص 480 ، والجزء الثالث ، ص 226 ، تفاصيل جديرة بالنظر فيما يخص رسالة الإمام عليه السلام لمعاوية لبيعته والإشارة إلى علل وعوامل مقتل عثمان . * * *
--> ( 1 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 16 ، ص 154 . ( 2 ) . صفين ، ص 76 .