الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

55

نفحات الولاية

فَسُبْحَانَ اللَّهِ ! مَا أَشَدَّ لُزُومَكَ لِلْأَهْوَاءِ الْمُبْتَدَعَةِ ، وَالْحَيْرَةِ الْمُتْعِبَةِ مَعَ تَضْيِيعِ الْحَقَائِقِ وَاطِّرَاحِ الْوَثَائِقِ ، الَّتِي هِيَ للَّهِ طِلْبَةٌ ، وَعَلَى عِبَادِهِ حُجَّةٌ . فَأَمَّا إِكْثَارُكَ الْحِجَاجَ عَلَى عُثَمانَ وَقَتَلَتِهِ ، فَإِنَّكَ إِنَّما نَصَرْتَ عُثَمانَ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ لَكَ ، وَخَذَلْتَهُ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ لَهُ ، والسَّلَامُ . الشرح والتفسير : ما أنت والطلب بدم عثمان ؟ كما أشرنا آنفاً أنّ المؤرخين وكتّاب السير وللأسف لم يذكروا ، بحدود علمنا ، نص رسالة معاوية للإمام عليه السلام ، رغم أنّ بعض مقاطع تلك الرسالة يمكن استيحاؤها من جواب الإمام عليه السلام له ، وفي هذا المقطع من رسالة الإمام عليه السلام نرى أنّ الإمام يوبخ معاوية بشدّة بسبب اتباعه للأهواء المطامع الموهومة التي تقوده إلى متاهات الحيرة ، ويتبيّن أنّ معاوية كان قد كتب للإمام عليه السلام كلمات وقحة وتجرأ على الإمام بعبارات لا مسؤولة ، ومن هنا يقول له الإمام عليه السلام : « فَسُبْحَانَ اللَّهِ ! مَا أَشَدَّ لُزُومَكَ لِلْأَهْوَاءِ الْمُبْتَدَعَةِ ، وَالْحَيْرَةِ الْمُتْعِبَةِ مَعَ تَضْيِيعِ الْحَقَائِقِ وَاطِّرَاحِ « 1 » الْوَثَائِقِ ، الَّتِي هِيَ للَّهِ طِلْبَةٌ ، وَعَلَى عِبَادِهِ حُجَّةٌ » . فالإمام عليه السلام في هذه العبارة الوجيزة والعميقة المعنى يلخص علل وعوامل انحراف معاوية عن جادة الحقّ بأربعة أمور ، الأوّل : اتّباع الأهواء والنوازع النفسانيّة ، والآخر : اتّباع عوامل الحيرة وسبل المتاهة ، والثالث : غض النظر عن

--> ( 1 ) . « اطِّرَاحِ » من مادة « طرح » يعني إلقاؤه بعيداً .