الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
51
نفحات الولاية
مقابل العدو ، أحدها أسوأ من الأخرى ، الأولى أن يتّخذ أسلوب التضرع والخشوع والتوسل في مقابل العدو ، والأخرى أن يخشى قدرة العدو ويشعر بالضعف والخور ويستسلم له ، والثالثة ، أنّه مضافاً إلى الاستسلام يفقد زمام أموره من يده ويسلم قياده لعدوه ليرى رأيه فيه « وَلَا سَلِسَ الزِّمَامِ لِلْقَائِدِ » ، وأخيراً يحني ظهره ليركبه العدو ويسوقه إلى حيث يريد « وَلَا وَطِيءَ الظَّهْرِ لِلرَّاكِبِ » . ما أروع هذه العبارات الدقيقة والحيّة التي تحكي عن غاية الفصاحة والبلاغة في كلام الإمام عليه السلام وأنّ الإمام ينفي عنه نفسه أي شكل من أشكال الاستسلام والخضوع في مقابل العدو . وكلمة « متقعد » وردت في بعض النسخ « مقتعد » ، وتعني الشخص الذي اختار مكاناً للجلوس والقعود ، وهو إشارة إلى راكب الدابة الذي يركب دابته ولا يستفيد منها في المسير فقط ، بل في جميع حاجاته ، فتارة يقف ويتحدّث إلى شخص آخر ، وأخرى يشتري حاجات من السوق وهو راكب ، وأحياناً يعطي شيئاً لآخر وأمثال ذلك ، والخلاصة أنّه جالس على مركبه ويقوم بأعماله ووظائفه دون أن يهتم لهذه الدابة وثقله . وفي ختام هذه الرسالة ، ومن أجل التأكيد أكثر على عزمه الراسخ وإرادته الصلبة في مقابل العدو ، يستشهد الإمام عليه السلام بشعر شاعر من طائفة بني تميم ويقول : إنّ حالي كَمَا قَالَ أَخُوبَنِي سَلِيمٍ : فَإِنْ تَسْأَلِينِي كَيْفَ أَنْتَ فَإِنَّنِي * صَبُورٌ عَلَى رَيْبِ « 1 » الزَّمَانِ صَلِيبُ « 2 » يَعِزُّ عَلَيَّ أَنْ تُرَى بِي كَآبَةٌ « 3 » فَيَشْمَتَ « 4 » عَادٍ « 5 » أَوْ يُسَاءَ حَبِيبُ
--> ( 1 ) . « رَيْبِ » تأتي أحياناً بمعنى الشك وأخرى بمعنى الحوادث المشكلة والتحديات الصعبة . ( 2 ) . « صَلِيب » تعني المحكم والشديد ، وأصلها من « صلب » . ( 3 ) . « كَآبَة » ، تعني الحزن والغم والانكسار الناشئ منه . ( 4 ) . « يَشْمَت » من مادة « شماة » وهي فرح العدو . ( 5 ) . « عَاد » يعني العدو ، من مادة « عداوة » .