الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

44

نفحات الولاية

أدْهى مِنَ الثَّعْلَب وأحْيَل » « 1 » . ويرى ابن خلكان أنّ شريحاً كان من التابعين رغم أنّه أدرك عصر الجاهلية وقال ابن خلكان : إنّ شريحاً جلس على كرسي القضاء خمس وستين عاماً وفي طيلة هذه المدة لم يترك القضاء سوى ثلاث سنوات في زمن فتنة عبداللَّه بن الزبير ، وقد استقال من منصبه في زمان الحجّاج ولم يمارس القضاء إلى آخر عمره . وذكر المؤرخون أنّه كان أمرداً . أمّا فيما يخصّ عمره فهناك خلاف ، حيث ذهب بعض إلى أنّه بلغ من العمر مائة وعشرين سنة ، وذهب آخرون إلى عمره مائة وعشر سنوات ، بينما ذكر آخرون أقلّ من هذا وأكثر . ولا شكّ أنّ شريحاً قد أصيب في خاتمة عمره بسوء العاقبة ، وأحد الشواهد على ذلك القصّة التي يذكرها الطبري في تاريخه عن أبي مخنف ، يقول : حدّثني الصقعب ابن زهير عن عبد الرحمن بن شريح قال : سمعته يحدّث إسماعيل بن طلحة ، قال : دخلت على هاني بن عروة ( في زمن إمارة ابن زياد على الكوفة ) فلمّا رآني قال : يا للَّه ، يا للمسلمين أهلكت عشيرتي فأين أهل الدين وأين أهل المصر ، إيّاي يخلّون وعدوّهم وابن عدوّهم ، والدماء تسيل على لحيته ، إذ سمع الرجّة على باب القصر ، وخرجت واتبعني فقال : يا شريح إنّي لأظنّها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين ، إن دخل عليَّ عشرة نفر أنقذوني ، قال : فخرجت إليهم ومعي حميد بن بكر الأحمريّ - أرسله معي ابن زياد - وكان من شرطته وممّن يقوم على رأسه ، وأيم اللَّه لولا مكانه معي لكنت أبلغت أصحابه ما أمرني به ، فلمّا خرجت إليهم قلت : إنّ الأمير لمّا بلغه مكانكم ومقالتكم في صاحبكم أمرني بالدخول إليه ، فأتيته ونظرت إليه فأمرني أن ألقاكم وأن أعلمكم أنّه حيّ وأنّ الذي بلغكم من قتله كان باطلًا ، فقال عمرو وأصحابه : فأمّا إذ لم يقتل فالحمد اللَّه ، ثم انصرفوا « 2 » .

--> ( 1 ) . منهاج البراعة في شرح نهج‌البلاغة ، ج 17 ، ص 158 ؛ سفينة البحار ، مادة شرح . ( 2 ) . تاريخ الطبري ، ج 4 ، ص 274 في باب حوادث سنة 60 ه .