الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

37

نفحات الولاية

الإنسان نفسها ، والآخر : المصائب التي يبتلى بها الإنسان في داخله ، من قبيل فقدان بعض أعضاء البدن أو موت الأعزّة والأقرباء وأمثال ذلك من مصائب الدنيا ، ومن جهة ثالثة ورابعة ، ما يواجهه الإنسان من إفرازات الأهواء والشهوات التي تضغط على الإنسان من داخله وتقوده إلى مهاوي الرذيلة ، والشيطان الذي يوسوس للإنسان من خارجه كما يقول الإمام عليه السلام عنه : « الشَّيْطَانِ الْمُغْوِي » . هذه العوامل الأربعة تحيط بالإنسان من كلّ الجهات ، ويستطيع الإنسان من خلال تهذيب النفس والسيطرة على الأهواء والنوازع النفسانية وكبح جماح الشهوات وبالتصدّي بحزم لوساوس الشيطان أن يخلّص نفسه من هذين العاملين الآخرين ، ولكنّ الآفات والمصائب التي تصيب جميع الناس بلا استثناء غير قابلة للاجتناب ، ولذلك يقول الإمام عليه السلام في مورد آخر عن الدنيا أنّها : « دارٌ بِالْبَلاءِ مَحْفُوفَةٌ وَبِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ » « 1 » . والتعبير ب « دَوَاعِي » فيما يخّص الآفات والمصائب ، إشارة إلى الأسباب التي تحيط بالإنسان وتنغّص معيشته . والتعبير ب « الْهَوَى الْمُرْدِي » إشارة إلى الأهواء والشهوات التي تقود الإنسان في خطّ الضلالة والهلكة المادّية والمعنويّة ، لأنّ « ردى » بمعنى الهلكة أو الأهواء والنوازع النفسانية التي تسوق الإنسان نحو هاوية السقوط ، لأنّ اتباع هوى النفس يؤدّي إلى أن يهوي الإنسان من مقام الإنسانية السامي ويسقط في أعماق جهنّم . وجملة : « وَفِيهِ يُشْرَعُ بَابُ هَذِهِ الدَّارِ » إشارة إلى أنّ طريق نفوذ الشيطان يكمن في باب هذه الدار الخطيرة ، رغم أنّ سائر العوامل الأخرى تؤثّر بدورها في زعزعة استقرار الإنسان وسوقه في خطّ الرذيلة والسقوط المعنويّ . وفي سياق هذا الكلام يبيّن الإمام عليه السلام القسم الرابع من هذه الوثيقة ويقرّر أنّ المشتري لهذه الدار مَن يتّصف بالصفات التالية : « اشْتَرَى هَذَا الْمُغْتَرُّ بِالْأَمَلِ ، مِنْ هَذَا

--> ( 1 ) . نهج‌البلاغة ، الخطبة 226 .