الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

32

نفحات الولاية

وفي الحقيقة أنّ الإمام عليه السلام يريد أن يقول - في كلامه هذا - لشريح : إنّك وإن دعيت لتثبيت هذه الدار باسمك ومن خلال السند والوثيقة لئلا يزاحمك عليها شخص آخر ، ولكن عندما يأتي إليك ملك الموت فإنّه لا يعتني بهذه الوثائق ، بل يأخذك رغماً عنك ويخرجك من هذه الدار ، لأنّ هذه الأسناد والمستمسكات إنّما تنفعك في أمور الدنيا لا في أمر الآخرة ، فلا تنفع الإنسان عندما يحين أجله ويتوجه إلى العالم الآخر . وعبارة « شاخص » من الشخوص ، بمعنى المسافر ، ومفهوم الجملة هو : أنّك سوف تخرج من الدنيا إلى العالم الآخر كالمسافر . واحتمل البعض أنّ كلمة « شاخص » تعني الشيء البيّن والظاهر للعيان ، والإنسان عندما يرحل من هذا الدنيا يُحمل على الأكّف بشكل ظاهر للناس حيث يساق إلى قبره ، ويحتمل أيضاً أنّ أحد معاني هذه الكلمة هو الشخوص وتركّز البصر على شيء معيّن ، وهذا يشير إلى أنّ الكثير من الناس عندما يحين أجلهم تشخص أبصارهم وتبقى مفتوحة بدون حركة وكأنّه ينظر إلى نقطة معينة ، ولكنّ المعنى الأوّل أنسب من الجميع . وجملة : « وَيُسْلِمَكَ إِلَى قَبْرِكَ خَالِصاً » إشارة إلى هذه الحقيقة وهي أنّ الإنسان لا يحمل من أمواله ودنياه إلى القبر سوى الكفن . وطبعاً هذا كلّه في حال أنّه قد اشترى الدار من ماله الحلال والطيب والطاهر ، ولكن إذا كان قد اشتراها من مال حرام ومشبوه ، فإنّ المصيبة أعظم ، ولذلك يشير الإمام عليّ عليه السلام في كلامه إلى هذه النقطة ويقول : « فَانْظُرْ يَا شُرَيْحُ لَاتَكُونُ ابْتَعْتَ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ غَيْرِ مَالِكَ « 1 » ، أَوْ نَقَدْتَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ حَلَالِكَ ! فَإِذَا أَنْتَ قَدْ خَسِرْتَ دَارَ الدُّنْيَا وَدَارَ الْآخِرَةِ » .

--> ( 1 ) . ورد في بعض النسخ « مِنْ غَيْرِ مالِكِها » وهو إشارة إلى عملية الغصب ، ولكن مع الالتفات إلى جملة « مِنْ غَيْرِحَلالِكَ » يبدو أنّ الكاف في « غَيْرِ مالِك » للخطاب .