الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
46
نفحات الولاية
يرد حين لا تكون هناك قرائن ويكفي في هول القيامة قوله تعالى : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّه شَدِيدٌ » « 1 » . ثم تعمق الإمام عليه السلام في شرح هذا الأمر فوعظ الجميع قائلًا : « وَاعْلَمُوا أَنَّ مَلَاحِظَ « 2 » الْمَنِيَّةِ « 3 » نَحْوَكُمْ دَانِيَةٌ « 4 » ، وَكَأَنَّكُمْ بِمَخَالِبِهَا « 5 » وَقَدْ نَشِبَتْ « 6 » فِيكُمْ ، وَقَدْ دَهَمَتْكُمْ « 7 » فِيهَا مُفْظِعَاتُ « 8 » الْامُورِ ، وَمُعْضِلَاتُ « 9 » الْمَحْذُورِ » . ويشير هذا الكلام إلى عدم وجود مسافة بين الإنسان والموت مهما كان عمره ، ففي كلّ آن يمكن وقوع حادثة مفاجئة ويصيبه مرض في كلّ حين أو يباغته عدو في الهجوم ، ولعل حياة الإنسان تزول إذا غص بلقمة ، أو يلاقي حتفه إذا انسدت شرايين قلبه أو أصيب بسكتة دماغية أو أن يقطع نخاعه أثر ضربة مفاجئة فيعيش طريح الفراش طيلة حياته . واختتم الإمام عليه السلام الخطبة باستنتاج بيّن وبليغ فقال : « فَقَطِّعُوا عَلَائِقَ الدُّنْيَا وَاسْتَظْهِرُوا « 10 » بِزَادِ التَّقْوَى » . والمراد من علائق الدنيا هو التعلق المفرط بالمال والجاه والزوج والولد ، بالشكل الذي يغفل الإنسان عن اللَّه ويسهل عليه مقارفة المعصية لنيل الدنيا ويزين له مفاتنها
--> ( 1 ) . سورة الحج ، الآيتان 1 و 2 . ( 2 ) . « ملاحظ » جمع « ملحظ » مصدر ميمي ، بمعنى النظر أو النظر بطرف العين . ( 3 ) . « منيّة » من مادة « منى » على وزن « سعى » بمعنى التقدير وتطلق هذه المفردة على الموت كونه مقدراً على مصير الإنسان . ( 4 ) . « دانية » بمعنى قريبة من مادة « دنوّ » على وزن « علوّ » . ( 5 ) . « مخالب » جمع « مخلب » أظافر الحيوانات أو الطيور . ( 6 ) . « نشبت » من مادة « نشب » على وزن « غصب » بمعنى الانغماس . ( 7 ) . « دهمت » من مادة « دهم » بمعنى باغتت . ( 8 ) . « مفظعات » جمع « مفظعة » بمعنى الحادثة الشديدة أكثر من اللازم . ( 9 ) . « معضلات » جمع « معضلة » ؛ يعني الشيء الذي يجعل الإنسان في غاية الضيق كما يقال المعضلة للطريق الضيق . ( 10 ) . « استظهروا » من « الاستظهار » بمعنى الاستعانة بالشخص أو الشيء ، ومادته الأصلية « ظهر » .