الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
17
نفحات الولاية
وَفَادِحِ « 1 » مُصِيبَتِك ، مَوْضِعَ تَعَزٍّ « 2 » » . يشير إلى أنّ مصيبة الزهراء عليها السلام وإن كانت أليمة للغاية ؛ لكنّ ألم مصيبتك كان أعظم وأعمق وتحملها هوّن احتمال هذه المصيبة ، قطعاً كان مصاب علي عليه السلام برحيل النّبي أعظم ، وإن كانت فاطمة الزهراء زوجة عظيمة المنزلة انعدم مثيلها ؛ فقد كان النّبي بمنزلة أبي علي عليه السلام وإضافة إلى ذلك ، كان بالنسبة لعلي القائد والمرشد والمعلم والأستاذ وبالتالي كلّ شيء لعلي ، ومن هنا ورد في الحديث أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام : « يا أَبَا الرَّيْحانَتَيْنِ . . . عَنْ قَليلِ يَنْهَدُّ رُكْناك » . ولما توفي رسولاللَّه صلى الله عليه وآله قال علي عليه السلام : « هذا أَحَدُ رُكْنَي الَّذي قالَ لي رَسُولُ اللَّه » . وقال حين استشهدت الصديقة الطاهرة الزهراء عليها السلام : « هذَا الرُّكْنُ الثّاني الَّذي قالَ رَسُولُ اللَّه » « 3 » . ثم أضاف الإمام عليه السلام في شرحه لهذا الكلام قائلًا : « فَلَقَدْ وَسَّدْتُك « 4 » فِي مَلْحُودَةِ « 5 » قَبْرِك ، وَفَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَصَدْرِي نَفْسُك ، فَ « إِنَّا للَّهوَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ » ! » . ذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ « نفس » هنا تعني الدم ( لأنّ أحد معاني النفس هو الدم ) وقالوا : إنّ قليلًا من الدم خرج من فم النّبي عند وفاته وجرى على صدر علي عليه السلام ؛ ولكن هذا المعنى يبدو مستبعداً ، على كلّ حال تفيد القرائن ( كما تدل الخطبة 197 ) أنّ رأس النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله حين وفاته كان في حجر علي عليه السلام ففاضت روحه الطاهرة فمرّت على صدر علي عليه السلام ونحره ، رغم ما ذكره بعض
--> ( 1 ) . « فادح » من مادة « فدح » ، على وزن « فتح » بمعنى المثقل وتعني هنا المصيبة الجلل . ( 2 ) . « تعزّ » أو « تعزّى » بمعنى الصبر على المصيبة ومادته « عزاء » . ( 3 ) . بحارالأنوار ، ج 43 ، ص 173 ، ح 14 . كما ورد هذا الحديث في مصادر العامّة ؛ مثل كتاب فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ، ج 2 ، ص 623 ، ح 1067 . ( 4 ) . « وَسّد » من « وسادة » ؛ والتي تعني هنا وضع الوسادة تحت الرأس . ( 5 ) . « ملحودة » من مادة « لحد » على وزن « عهد » بمعنى الشق الذي يجعل في جهة من القبر ويوضع داخله الميت حتى لايصله التراب حين يمتلئ به القبر .