الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

515

نفحات الولاية

القسم الثاني أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي أُوْصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ ، وإِلَيْهِ يَكُونُ مَعَادُكُمْ ، وبِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ ، وإِلَيْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِكُمْ ، ونَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُمْ ، وإِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُمْ . فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ ، وبَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ ، وشِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ ، وصَلَاحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ ، وطُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ ، وجَلَاءُ عَشَا أَبْصَارِكُمْ ، وأَمْنُ فَزَعِ جَأْشِكُمْ ، وضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ . فَاجْعَلُوا طَاعَةَ اللَّهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِكُمْ ، ودَخِيلًا دُونَ شِعَارِكُمْ ، ولَطِيفاً بَيْنَ أَضْلَاعِكُمْ ، وأَمِيراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ ، ومَنْهَلًا لِحِينِ وُرُودِكُمْ ، وشَفِيعاً لِدَرَكِ طَلِبَتِكُمْ ، وجُنَّةً لِيَوْمِ فَزَعِكُمْ ، ومَصَابِيحَ لِبُطُونِ قُبُورِكُمْ ، وسَكَناً لِطُولِ وَحْشَتِكُمْ ، ونَفَساً لِكَرْبِ مَوَاطِنِكُمْ . فَإِنَّ طَاعَةَ اللَّهِ حِرْزٌ مِنْ مَتَالِفَ مُكْتَنِفَة ، ومَخَاوِفَ مُتَوَقَّعَة ، وأُوَارِ نِيرَان مُوقَدَة . فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوِّهَا ، واحْلَوْلَتْ لَهُ الْامُورُ بَعْدَ مَرَارَتِها ، وانْفَرَجَتْ عَنْهُ الأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاكُمِهَا ، وأَسْهَلَتْ لَهُ الصِّعَابُ بَعْدَ انْصَابِهَا ، وهَطَلَتْ عَلَيْهِ الْكَرَامَةُ بَعْدَ قُحُوطِهَا ، وتَحَدَّبَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورِهَا ، وتَفَجَّرَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا ، ووَبَلَتْ عَلَيْهِ الْبَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا . فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي نَفَعَكُمْ بِمَوْعِظَتِهِ ، ووَعَظَكُمْ ، بِرِسالَتِهِ ، وامْتَنَّ عَلَيْكُمْ بِنِعْمَتِهِ . فَعَبِّدُوا أَنْفُسَكُمْ لِعِبَادَتِهِ ، وَاخْرُجُوا إِلَيْهِ مِنْ حَقِّ طَاعَتِهِ . الشرح والتفسير : التقوى مصدر الخيرات بعد أن أشار الإمام عليه السلام إلى علم اللَّه المطلق والشهادة بالنبوّة في القسم السابق