الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
461
نفحات الولاية
المتأصلة في قلوبهم فيخدعون الناس ويستقطبونهم إلى أودية الضلال فيجعلونهم يعيشون ذلك البؤس والشقاء . والعبارة الرابعة إشارة إلى كثرة الأفراد الذين خدعوا بهم وهلكوا بفعل ضرباتهم الموجعة ، وإشارة إلى أنّ ضحاياهم ليسوا قلائل بحيث يمكن تجاوزهم بسهولة ، فهم على درجة من الكثرة وكان كلّ زقاق وشارع فقد ضحية لمؤامراتهم ومخططاتهم ، وبناءً على ما تقدم فلو لم يتصد المسلمون لإفشال خططهم فسوف لن يسلم أحد من ضرباتهم المهلكة . والعبارة الخامسة تخبر عن ألاعيبهم بغية اختراق القلوب ، فهم على الدوام شركاء مع اللصوص ورفاق قطاع الطرق والذين يزودون السراق بكلّ المعلومات عن القوافل ويتعاونون معهم جنباً إلى جنب ، ولذلك فهم يسعون ليوحوا لكلّ من يصادفونه أنّهم من خلص أصدقائه . والعبارة السادسة هي إكمال وتأكيد لما ورد في العبارة السابقة ؛ فهؤلاء يصوّرون للآخرين أنّهم يشاطرونهم أحزانهم ويذرفون دموع التماسيح على مصائبهم بينما يضحكون في باطنهم ويشعرون بالسرور والفرح ، نعم هذا هوديدن النفاق . وأشار عليه السلام في مواصلته لكلامه إلى صفتين قبيحتين وذميمتين من صفات المنافقين فقال : « يَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءَ ، ويَتَرَاقَبُونَ الْجَزَاءَ » . نعم فكلّ واحد منهم يخوض في المجلس في مدح الآخر والإشادة به وينسب له بعض الصفات الحميدة التي ليس لها من صلة بشخصيته ، على أساس أنّه يطالبه أن يعامله بالمثل فيمدحه ويثني عليه في مجلس آخر ، فمدحهم وثنائهم لا ينطلق من الحقّ قط وتقدير المحسنين والأخيار ، بل الهدف سماع المزيد من الكذب المشابه لما يورد بحقّه . والعبارة : « يَتَرَاقَبُونَ الْجَزَاءَ » هي الأخرى تأكيد على هذا الموضوع وتعبير آخر عن هذه الصفة الذميمة والمريضة ، أي أنّهم لا يقدمون خدمة مجانيّة بعيدة عن الرياء لكائن من كان ، بل يتوقعون مقابلها خدمة لهم ، ولا يقتصر ذلك على الثناء فحسب بل في كلّ أمر وحيثما ما كان .