الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
440
نفحات الولاية
قال : « أنْ تُلينَ جَناحَكَ ، وتُطيبَ كَلامَكَ ، وتَلقى أخاكَ بِبِشْر حَسَن » « 1 » . والعبارة : « غَائِباً مُنْكَرُهُ » تشير إلى انعدامه ؛ أي لا يبدر منه أي منكر إزاء الآخرين . ويحتمل أن يكون المراد أنّه لو بدرت منهم زلّة ، فهي ليست بزلّة علنيّة على الأقل لتلوث المجتمع . والعبارة : « حَاضِراً مَعْرُوفُهُ » إشارة إلى جميع المحاسن التي يقرّها العقل والوجدان والشرع وليست غريبة عليها ( من مادة عرفان بمعنى المعرفة ) . والمراد من « مُقْبِلًا خَيْرُهُ ، مُدْبِراً شَرُّهُ » أنّهم مندفعون على الدوام في الإتيان بأفعال الخير ، وإن كانت لهم من أعمال سيئة في الماضي فهم يسعون إلى هجرانها والابتعاد عنها . ثم أشار إلى ثلاث من صفاتهم الحميدة فقال : « فِي الزَّلَازِلِ « 2 » وَقُورٌ « 3 » ، وفِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ ، وفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ » . والمراد من « زلازل » الحوادث الأليمة والفتن العظيمة التي تهز القلوب . فالمتقون يربطون جأشهم إزاء هذه الخطوب ولا يفقدون معنوياتهم ويقفون إزاءَها كالجبل الأصم الذي لا تحركه الرياح العاتية ، « الْمُؤْمنُ أصْلَبُ مِنَ الْجَبَلِ » « 4 » فهم صامدون وهذا يدل على أنّ التقوى لا تعني الاعتزال عن المجتمع والخلود إلى الدعة والراحة ، بل المتقون الحقيقيون هم أولئك الذين يتصدون للأحداث الصعبة ويسعون جاهدين وبكل شجاعة لإنقاذ أنفسهم ومجتمعاتهم ممّا يعصف بها من خطوب . والصبر على المكاره يمثل أحد فروع الصبر الذي يشمل كلّ مصيبة وحادثة أليمة . فالمتقون ثابتون وصامدون في هذا الميدان ، ذلك لأنّ الجزع إزاء المصائب
--> ( 1 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 103 . ( 2 ) . « زلازل » جمع « زلزلة » و « زلزال » بمعنى الحركة الشديدة والصعبة . ويقال الزلازل للشدائد من الأحداث . ( 3 ) . « وقور » من « وقر » على وزن « فقر » تعني فيالأصل الثقل ويقال الوقور للشخص الذي لا يضطرب . ( 4 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 241 .