الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
403
نفحات الولاية
القسم الأوّل أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ ، آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ ، لِانَّهُ لَاتَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ ، وَلَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ . فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ ، ووَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ . فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ : مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ ، ومَلْبَسُهُمُ الاقْتِصَادُ ، ومَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ . غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، ووَقَفَوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ . نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ . ولَوْلَا الأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْن ، شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ ، وخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ . عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَادُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ ، فَهُمْ والْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا ، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ ، وهُمْ والنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا ، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ . قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ ، وشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ ، وأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ ، وحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ ، وأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ . صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً . تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ . أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا ، وأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا . الشرح والتفسير : صفات المتّقين قبل أن نخوض في شرح هذا القسم من الخطبة علينا أن نبيّن هذه النقطة وهي ما كيفية العلاقة بين جواب الإمام عليه السلام المقتضب بداية الأمر وسؤال همام ؟ فقد طلب السائل بيان صفات المتّقين ، فأمر الإمام عليه السلام بالتقوى والإحسان بدلًا من بيان