الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
389
نفحات الولاية
المعجزة بيد اللَّه وإن ظهرت على يد النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله . والعبارة : « أَتُؤْمِنُونَ » و « تَشْهَدُونَ » إشارة إلى الإيمان القلبي بالإضافة إلى الشهادة بالحقّ ظاهرياً . على كلّ حال فلم يقرّوا بالأمرين فما كان منه صلى الله عليه وآله إلّاأن : « قَالَ : « فَإنِّي سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلُبُونَ ، وإِنِّي لَاعْلَمُ أَنَّكُمْ لَا تَفِيئُونَ إِلَى خَيْر ، وإِنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِي الْقَلِيبِ « 1 » ، ومَنْ يُحَزِّبُ الأَحْزَابَ » . والعبارة : « وإِنَّ فِيكُمْ . . . » إشارة إلى أبي جهل وعتبة وشيبة وأميّة بن خلف الذين قتلوا يوم بدر ورمي بأجسادهم في بئر كانت هناك . والعبارة : « مَنْ يُحَزِّبُ الأَحْزَابَ » إشارة إلى أبي سفيان . فالواقع أنّ النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله أكمل طلبهم المعجزة بثلاثة أخبار غيبية يعدّ كلّ منها معجزة ، عدم إيمانهم وطرح بعضهم في البئر ومعركة الأحزاب التي حدثت بعد سنوات عديدة لاحقاً . ثم التفت النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله إلى أصل سؤالهم والتفت إلى الشجرة « ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ : « ياأيَّتُهَا الشَّجَرَةُ إِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْاخِرِ ، وتَعْلَمِينَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، فَانْقَلِعِي بِعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ » . وخطاب النّبي صلى الله عليه وآله لتلك الشجرة يفيد أنّ للنباتات والجمادات نوعاً من الإدراك والشعور الذي أفاضه عليها اللَّه ، كما تفيد العبارة القادمة أنّها مؤمنة أيضاً باللَّه واليوم الآخر ولكن ما حقيقة هذا الإيمان وكيفية ذلك الشعور والإدراك ، وهل لها بعد اختياري أم إجباري ، فذلك من الأمور التي ليست واضحة لدينا على وجه الدقّة . ولدينا العديد من الآيات القرآنيّة التي تشير إلى ذلك الإيمان والشعور والإدراك لدى جميع الأشياء بما فيها الجمادات وتفيد أنّها تسبح اللَّه وتقدسه ، وقد أسهب المفسرون بهذا الشان « 2 » .
--> ( 1 ) . « قليب » من مادة « قلب » تعني التغيير كما وردت بمعنى البئر . ( 2 ) . للاطلاع أكثر راجع التفسير الأمثل ، ج 12 ، ذيل الآية 44 سورة الإسراء « تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِّنْ شَيء إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً » .