الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
359
نفحات الولاية
القسم الثامن عشر فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا ، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ ، وجَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ أُلْفَتَهُمْ : كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا ، وأَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا ، والْتَفَّتِ الْمِلَّةُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا ، فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ ، وفِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ . قَدْ تَرَبَّعَتِ الْامُورُ بِهِمْ ، فِي ظِلِّ سُلْطَان قَاهِر ، وآوَتْهُمُ الْحَالُ إِلَى كَنَفِ عِزٍّ غَالِب ، وتَعَطَّفَتِ الْامُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى مُلْك ثَابت . فَهُمْ حُكَّامٌ عَلَى الْعَالَمِينَ ، ومُلُوكٌ فِي أَطْرَافِ الأَرَضِينَ . يَمْلِكُونَ الْامُورَ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ ، ويُمْضُونَ الأَحْكامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِمْ ! لَاتُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاةٌ ، وَلَا تُقْرَعُ لَهُمْ صَفَاةٌ . الشرح والتفسير : عزتكم بالاسلام بعد كلام الإمام عليه السلام في القسم السابق من هذه الخطبة بشأن خطوب العصر الجاهلي والمشاكل والإرباكات والفقر وعدم الاستقرار التي اتصف بها ، تناول هنا شرح المعطيات المباركة التي حصلوا عليها في ظلّ انبثاق دعوة النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وما أصبحوا عليه من اتحاد وإلفة ومحبّة ، ليشرح هذا الأمر بعبارات غاية في الجمال والبلاغة فقال : « فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا ، فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ ، وجَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ أُلْفَتَهُمْ » . نعم ؛ فقد كان كلّ قوم وقبيلة بل كلّ فرد في العصر الجاهلي يلهث خلف مصالحه ورغباته الضيقة حتى سادهم جو من الفرقة والاختلاف والتشتت ، فجمعهم اللَّه