الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
35
نفحات الولاية
القسم الخامس أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ ، وأَسْبَغَ عَلَيْكُمُ الْمَعَاشَ ؛ فَلَوأَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً ، أَولِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلًا ، لَكَانَ ذلِكَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ والْانْسِ ، مَعَ النُّبُوَّةِ وعَظِيمِ الزُّلْفَةِ . فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ ، واسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ ، رَمَتْهُ قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ الْمَوْتِ ، وأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً ، والْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً ، ووَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ . وإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً ! أَيْنَ الْعَمَالِقَةُ وأَبْنَاءُ الْعَمَالِقَةِ ! أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ وأَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَةِ ! أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسِّ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ ، وأَطْفَأُوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ ، وأَحْيَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِينَ ! أَيْنَ الَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ ، وهَزَمُوا بِالأُلُوفِ ، وعَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ ، ومَدَّنُوا الْمَدَائِنَ ! الشرح والتفسير : أين الفراعنة والعمالقة ؟ خاض الإمام عليه السلام في هذا القسم من الخطبة بعد الأبحاث المرتبطة بصفات الجمال والجلال وعظمة عالم الوجود بالأبعاد العمليّة ، ذلك لأنّ الأعمال الصالحة إنّما تفرزها العقيدة الصالحة ، فقد دعى الإمام عليه السلام الجميع للتقوى إزاء تلك النعم التي أفاضها تعالى على عباده فقال عليه السلام : « أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاش « 1 » ، وأَسْبَغَ عَلَيْكُمُ الْمَعَاشَ » .
--> ( 1 ) . « رياش » جمع « ريش » تعني فيالأصل ريش الطائر ثم أطلقت على كلّ نوع من الثياب ، ولما كان ريش الطيور بألوان مختلفة وجميلة فهذه المفردة تختزن مفهوم الجمال والزينة ، ويطلق الرياش على الثياب الفاخرة .