الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
342
نفحات الولاية
فقد أشار الإمام عليه السلام بهذه العبارة إلى مصير بعض الأقوام مثل قوم عاد ، وثمود وقوم نوح وقوم لوط وعاقبة الفراعنة وأمثال نمرود وما أصابهم من العذاب بفعل أعمالهم القبيحة فحذّرهم من مغبّة الابتلاء بذات المصير . والعبارة : « سُوءِ الأَفْعَالِ وذَمِيمِ الأَعْمَالِ » يمكن أن تكون تأكيداً لمعنى معين هو الأفعال القبيحة والذميمة ، وهنالك احتمال آخر أنّ سوء الأفعال إشارة إلى الأعمال السيئة وذميم الأعمال ، الأفعال المستهجنة وإن لم تبلغ مرحلة الذنب مثل الغفلة عن المحرومين وترك الانصاف والبذل والعطاء والأثرة . ولما فرغ الإمام عليه السلام من هذا البيان الإجمالي خاض في التفاصيل ليستفيد من ذات الأسلوب القرآني الذي طرح كراراً بغية بيان المسائل المهمّة فقال : « فَإِذَا تَفَكَّرْتُمْ فِي تَفَاوُتِ حَالَيْهِمْ ، فَالْزَمُوا كُلَّ أَمْر لَزِمَتِ الْعِزَّةُ بِهِ شَأْنَهُمْ ، وزَاحَتِ الأَعْدَاءُ لَهُ عَنْهُمْ ، ومُدَّتِ الْعَافِيَةُ بِهِ عَلَيْهِمْ ، وانْقَادَتِ النِّعْمَةُ لَهُ مَعَهُمْ ، ووَصَلَتِ الْكَرَامَةُ عَلَيْهِ حَبْلَهُمْ » . ثم تطرق عليه السلام إلى بيان العناصر التي تقف وراء هذه الأمور الخمسة ( العزّة ودحر العدووالعافية والنعمة والكرامة ) فقال : « مِنَ الْاجْتِنَابِ لِلْفُرْقَةِ ، واللُّزُومِ لِلْالْفَةِ ، والتَّحَاضِّ عَلَيْهَا ، والتَّوَاصِي بِهَا » . ورغم أنّ هذه العناصر الأربعة تعود جميعاً إلى مسألة الاتحاد والوحدة ، غير أنّ كلّ واحد يعالج نقطة معينة : فاجتناب الفرقة ناظر لنفي عناصر التفرقة والاختلاف ولزوم الإلفة لترسيخ عوامل الوحدة ، والتحاض إشارة إلى الحض والتشجيع ( ربّما التشجيع العلمي ) والتواصي المراد به عن طريق البيان والحوار . ثم أشار عليه السلام إلى الجانب السلبي لهذه المسألة ؛ أي التفرقة وعناصرها فحذرهم بعبارات عميقة المعنى من ضرورة نبذ عوامل الفرقة والاختلاف فقال : « واجْتَنِبُوا كُلَّ أَمْر كَسَرَ فِقْرَتَهُمْ « 1 » ، وأَوْهَنَ مُنَّتَهُمْ « 2 » » .
--> ( 1 ) . « فقرة » وجمعها « فقرات » بمنزلة العمود الذي يشد ظهر الإنسان ويجعله يستقيم وينحني . ( 2 ) . « مُنَّة » بمعنى القوّة و « مِنّة » على وزن « عِزّة » بمعنى النعمة العظيمة التي توجب القدرة والقوة وقال الراغب في المفردات إنّها مشتقة فيالأصل من « منّ » وحدة الوزن .