الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

336

نفحات الولاية

والقبيحة فاقترح عليهم العصبية الإيجابيّة ليشبع تطلعهم العاطفي ويسوق قواهم الباطنيّة نحو المشروع الإيجابي ، وهذه هي الخطة التي ينبغي أن يمارسها جميع الزعماء الحكماء في مجتمعاتهم بغية إصلاح المفاسد الاجتماعيّة ، فبدلًا من الوقوف بوجه الأمواج العاتية للدوافع السلبيّة لابدّ من السعي إلى تغيير مسارها ودفعها باتجاه القنوات الإيجابية ولذلك قال عليه السلام : « فَإِنْ كانَ لَابُدَّ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكُمْ لِمَكَارِمِ الْخِصَالِ ، ومَحَامِدِ الأَفْعَالِ ، ومَحَاسِنِ الْامُورِ ، الَّتي تَفَاضَلَتْ فِيهَا الْمُجَدَاءُ « 1 » والنُّجَدَاءُ « 2 » مِنْ بُيُوتَاتِ الْعَرَبِ ويَعَاسِيبِ « 3 » الْقَبَائِلِ » . أي لا ينبغي أن يكون مثلكم في هذه الأمور الجهّال الذين يفتقرون إلى المنطق ، بل عليكم الاقتداء والتأسي بالعقلاء والأفراد الواعين الذين يتسابقون في كسب الفضائل ونيل مكارم‌الأخلاق ويوظفون إمكاناتهم كافّة في ميدان هذا السباق الإنساني . ثم خاض عليه السلام في شرح ذلك ببضع عبارات قصيرة فقال : « بِالْاخْلَاقِ الرَّغِيبَةِ ، وَالأَحْلَامِ الْعَظِيمَةِ ، والأَخْطَارِ الْجَلِيلَةِ ، والْاثَارِ الْمَحْمُودَةِ » . فالواقع إنّ هذه الصفات الأربع التي وردت في كلام الإمام عليه السلام تبيّن أبعاد شخصية الإنسان ، التي تتمثّل في الأخلاق الكريمة والفكر الحر والمقام الرفيع والآثار الحميدة ( كالآثار العلميّة والخدمات الاجتماعيّة ) وبالطبع فإنّ الشخص الذي ينال هذه الصفات هوإنسان فاضل يسعه أن يكون قدوة وأسوة للآخرين . ثم ركز الإمام عليه السلام في مواصلته لكلامه على جزئيات وتفاصيل المسائل الأخلاقيّة ليشير إلى عشرة نماذج من مكارم الأخلاق والصفات الإنسانيّة البارزة داعياً الجميع إلى التمسك بها فقال : « فَتَعَصَّبُوا لِخِلَالِ الْحَمْدِ مِنَ الْحِفْظِ لِلْجِوَارِ ، والْوَفَاءِ بِالذِّمَامِ ، « 4 » وَالطَّاعَةِ لِلْبِرِّ ، والْمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ ، والأَخْذِ بِالْفَضْلِ ، والْكَفِّ عَنِ

--> ( 1 ) . « مجداء » جمع « مجيد » بمعنى العزيز والعظيم . ( 2 ) . « نجداء » جمع « نجيد » بمعنى الشجاع من « نجد » بمعنى الأرض المرتفعة . ( 3 ) . « يعاسيب » جمع « يعسوب » وهو أمير النحل . ويستعمل مجازاً بمعنى رئيس القوم كما هنا . ( 4 ) . « ذمام » يعني العهد .