الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

32

نفحات الولاية

وقد ركز شرّاح نهج البلاغة في تفسيرهم لهذه العبارة على معنى مطابق ؛ فقالوا : المراد القضاء على ظلمة الليل بضياء النهار وجمع ضياء النهار بظلمة الليل وجعل الظلمة المقرونة بالسكون والهدوء تعمّ كلّ مكان ، بينما أخذ البعض الآخر المعنى الكنائي ، فقال : إنّ المراد من الظلمات الأخلاق القبيحة التي تزول من روح الإنسان بنور معرفة اللَّه ، وبالمقابل فإنّ الأفراد الذين يعيشون ظلمة الجهل وعدم معرفة اللَّه إنّما تزول عن وجودهم أنوار الفضيلة والأخلاق الإنسانيّة . نعم ، ليست هنالك من حاجة للتفسير الكنائي استناداً إلى إمكانيّة التفسير على ضوء المعنى المقارن وعدم وجود القرينة على المعنى الكنائي وإن أمكن الجمع بين المعنيين . تأمّلان 1 . سرّ صعوبة معرفة صفات اللَّه ذكرنا كراراً أنّ طريق معرفة اللَّه صعب بنفس الدرجة التي يتّضح فيها السلوك إليه والتعرف عليه ، وبعبارة أخرى فإنّ العلم بوجود اللَّه عن طريق تدبر أسرار الخلق في الأرض والسماء والوقوف على عجائب الخلقة أمر في غاية الصعوبة ، فكلّ إنسان مهما كان لديه من علم وشعور يرى آثار علمه وقدرته وعظمته تعالى في كلّ مكان وفي كلّ شيء ، ولكن يستحيل عليه فهم كنه ذاته وصفاته ، ذلك لأنّه كما ذكر الإمام عليه السلام في هذه الخطبة أننا نعاني من القياس المضل بهذا الشأن ، فليس لنا حظ سوى معرفة الصفات بواسطة الوسائل والأدوات والمقرونة بالزمان والمكان ، فكان من الطبيعي أن يتعذر علينا إدراك ما يفوق الزمان والمكان والأدوات واللامتناهي من حيث الوجود والصفات ، أو بتعبير : « ما لِتُراب وربِّ الأَرْبابِ » . إننا لنعجز عن إدراك صفات بعض المخلوقات الأسمى كالملائكة المقرّبين - كما أشار إلى ذلك الإمام عليه السلام في الخطبة - فضلًا عن إدراك صفات خالقها ، وعلى هذا