الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
284
نفحات الولاية
« فَلَعَمْرُ اللَّهِ « 1 » لَقَدْ فَخَرَ عَلَى أَصْلِكُمْ ، ووَقَعَ فِي حَسَبِكُمْ « 2 » ، ودَفَعَ فِي نَسَبِكُمْ ، وأَجْلَبَ بِخَيْلِهِ عَلَيْكُمْوقَصَدَ بِرَجِلِهِ سَبِيلَكُمْ » . وهذه العبارات العميقة المعنى هي اقتباس من الآيات القرآنيّة الشريفة ؛ فالآية 33 من سورة الحجر تشير إلى أنّ الشيطان حقر آدم بهذه الصيغة قائلًا : « لَمْ أَكُنْ لِّاسْجُدَ لِبَشَر خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَال مِّنْ حَمَإ مَّسْنُون » فغروره وحسده وتكبره جعله يتناسى العبارة : « نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُّوحِى » من كلام اللَّه والتي تعدّ من أعظم مفاخر آدم عليه السلام ، كما قال تعالى عن إبليس في الآية 12 من سورة الأعراف « أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِنْ نَّار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين » والحال لو تخلى عن كبره وغروره لأيقن أنّ التراب هو مصدر أنواع البركات وأساس حياة الموجودات وهو أفضل من النار ، وصرّحت الآية 64 من سورة الإسراء أنّ اللَّه تعالى قال له : « وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ » كما قال تعالى عن الشيطان في الآية 16 من سورة الأعراف : « لَاقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ » . وهنا تكمن خطورة هذا العدو الذي ينبغي الحذر منه فهو لا يقرّ بشخصية آدم الرفيعة ولا يسلم بنسبه وقد جند طاقاته كافّة من أجل اغوائه واضلاله . ثم قال عليه السلام في مواصلته لكلامه : « يَقْتَنِصُونَكُمْ « 3 » بِكُلِّ مَكَان ، ويَضْرِبُونَ مِنْكُمْ كُلَّ بَنَان « 4 » . لَاتَمْتَنِعُونَ بِحِيلَة ، وَلَا تَدْفَعُونَ بِعَزِيمَة . فِي حَوْمَةِ « 5 » ذُلٍّ ، وحَلْقَةِ ضِيق ، وعَرْصَةِ مَوْت ، وجَوْلَةِ بَلَاء » .
--> ( 1 ) . « لعمر اللَّه » « عَمْر » ، بفتح « العين » بمعنى العمر ، بضم « العين » يستعمل في القسم وعليه فالعبارة لعمري تعنيأقسم بنفسي و « لعمر اللَّه » ؛ تعني ببقاء ذات اللَّه تعالى . ( 2 ) . « حسب » تذكر هذه العبارة عادة مقرونة بالنسب لكنهما مختلفان في المعنى . فالحسب في الأصل قدر الشيء ومنزلته وشرفه وبما أنّ الأصل والنسب يؤثر على منزلة الإنسان وقدره فإنّ هذه المفردة تشمل أيضاً النسب الرفيع والعزيز فيقال الحسب لمقدار كلّ شيء ، والواقع أنّ هذه المفردة أخذت من مادة حساب لأنّ الأفراد يحسبون مفاخرهم ومفاخر آبائهم عند ذكر الحسب . ( 3 ) . « يقتنصون » من مادة « قنص » على وزن « حبس » بمعنى يصيدون . ( 4 ) . « بنان » جمع « بنانة » تعني لغوياً الأصابع ورؤوس الأصابع والشخص الذي تقطع بنانه لا يقوى على العمل . ( 5 ) . « حومة » بمعنى أهم موضع في الشيء وتطلق الحومة على القسم الرئيسي من القتال أو الذل .