الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
155
نفحات الولاية
الألفاظ التي ابتدعها البشر لحياته اليوميّة وتتصف عادة بالجسمية والماديّة أن نتصور أنّها تجري كذلك على الذات القدسيّة ، بل لابدّ من التخلص من الأغطية الجسميّة والماديّة كافّة حين استعمال هذه الألفاظ بشأن اللَّه تعالى ، وهي بالتالي من قبيل : « خُذِ الْغاياتِ واتْرُكِ الْمَبادِىء » ليمكن استعمالها بشأن اللَّه تعالى . احتمل بعض شرّاح نهج البلاغة أنّ المراد في العبارة « يَحْفَظُ ولا يَتَحَفَّظُ » أنّ اللَّه تعالى يحفظ الموجودات من الحوادث وهو لا يحتاج إلى حافظ ، ولكن بالإلتفات إلى سائر الصفات التي وردت قبل هذه الصفة يتّضح أنّ المفهوم الصحيح لهذا الكلام ما ورد سابقاً بمعنى الإشارة إلى قوّة الحافظة . ثم أشار عليه السلام إلى صفتين فقال : « يُحِبُّ ويَرْضَى مِنْ غَيْرِ رِقَّة ، ويُبْغِضُ ويَغْضَبُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّة » . رغم أنّ البعض تصور معنيين مختلفين لِ « يُحِبُّ ويَرضى » وكذلك « يُبْغِضُ وَيَغْضَبُ » غير أنّ سياق كلام الإمام عليه السلام يفيد أنّهما ذات معنى واحد أو استعملتا بمعنى واحد . على كلّ حال فهاتان الصفتان تشبهان الصفات المذكورة سابقاً ، لأسبابهما بعد سماوي ، لكن نتيجتهما تصدق على اللَّه فمحبّتنا ورضانا ممزوجة برقة القلب ونوع من الرغبة الباطنيّة كما أنّ بغضنا وغضبنا لألم ومعاناة باطنيّة مقرونة بإثارة الأعصاب وارتفاع ضغط الدم ، ومن البديهي أنّ هذه المعاني ليست صادقة على اللَّه ، ولذلك فسّروا هذه الأوصاف بالنتيجة ، فقالوا إنّ حبّ اللَّه لعباده ورضاه عنهم بهذه الصيغة أنّه يشملهم عملياً بنعمه وتوفيقاته وبغضه وغضبه على شخص في أن يسلبه النعمة والتوفيق والسعادة . هذا النوع من التفسير بالنتيجة أحد المبادئ الأساسيّة الذي يستعمل بشأن العديد من صفات اللَّه .