الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

152

نفحات الولاية

وقد ركز هذا الموحد العارف باللَّه كراراً على هذه المسألة لينقذ مخاطبيه من هوة التشبيه بعبارات غاية في الجمال والروعة والدقّة . ومن هنا قال في مواصلته للأبحاث السابقة في هذا الجانب من الخطبة : « لَا تَنَالُهُ الأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ ، وَلَا تَتَوَهَّمُهُ الْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْحَوَاسُّ فَتُحِسَّهُ ، وَلَا تَلْمِسُهُ الأَيْدِي فَتَمَسَّهُ . وَلَا يَتَغَيَّرُ بِحَال ، وَلَا يَتَبَدَّلُ فِي الأَحْوَالِ . وَلَا تُبْلِيهِ اللَّيَالِي والأَيَّامُ ، ولَا يُغَيِّرُهُ الضِّيَاءُ وَالظَّلَامُ » . « اوْهام » جمع « وَهْم » بمعنى قوّة الخيال التي تتعلق بالمادة والمحسوسات ولو أحاط الوهم باللَّه لكان له مكان وزمان وكيفيّة وكميّة ، بينما ذاته المقدّسة منزّهة عن هذه الأمور فللجسم أجزاء والزمان والمكان والتغيير والحركة أمور ليست لها من سبيل إلى ذاته اللامتناهيّة . « فِطَن » جمع « فِطْنه » قوّة العقل ويقال « الفَطِن » وتنشط قوّة العقل أيضاً بمساعدة الواهم والتصورات الذهنية المتعلقة بالأجسام ، وعليه فلو أدرك بالعقل وبمساعدة الوهم لظهرت ثانية قضية العوارض الجسميّة . العبارة : « ولا تَلْمِسُهُ . . . » بالنظر إلى أنّ اللمس يختلف عن المس ، حيث يطلق المس على التماس بالأجسام بينما يطلق اللمس على الطلب والسعي للتماس - إشارة إلى أنّه مهما يسعى الإنسان للمسه تعالى بيده لما أمكن ذلك لأنّه ليس بجسم فيلمس . وأمّا بالإلتفات إلى ثبات ذاته فإنّ تغييره بمرور الزمان والحوادث كالنور والظلمة ليس بممكن ؛ لأننا قلنا كراراً أنّه وجود كامل ولا متناهٍ من جميع الجهات ويفوق المكان والزمان والحركة ، ومثل هذه الذات لا تتأثر بالحوادث والتغييرات كما لا يجري عليها ليل ونهار ونور وظلمة . ثم أردف ذلك عليه السلام بقوله : « وَلَا يُوصَفُ بِشَيء مِنَ الأَجْزَاءِ ، وَلَا بِالْجَوَارِحِ وَالأَعْضَاءِ ، ولَا بِعَرَض مِنَ الأَعْرَاضِ ، وَلَا بِالْغَيْرِيَّةِ والأَبْعَاضِ » .