الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

79

نفحات الولاية

حِدَاقِهَا « 1 » ، وَجَاعِلَةُ اللَّيْلِ سِرَاجاً تَسْتَدِلُّ بِهِ فِي الْتِمَاسِ أَرْزَاقِهَا ؛ فَلَا يَرُدُّ أَبْصَارَهَا إِسْدَافُ « 2 » ظُلْمَتِهِ ، وَلَا تَمْتَنِعُ مِنَ الْمُضِيِّ فِيهِ لِغَسَقِ « 3 » دُجُنَّتِهِ « 4 » » . ثم تطرق إلى وضع الخفاش حين شروق الشمس وارسالها لأشعتها على الجبال والصحارى فقال : « فَإِذَا أَلْقَتِ الشَّمْسُ قِنَاعَهَا ، وَبَدَتْ أَوْضَاحُ « 5 » نَهَارِهَا ، وَدَخَلَ مِنْ إِشْرَاقِ نُورِهَا عَلَى الضِّبَابِ « 6 » فِي وِجَارهَا « 7 » ، أَطْبَقَتِ الْأَجْفَانَ عَلَى مَآقِيهَا « 8 » ، وَتَبَلَّغَتْ « 9 » بِمَا اكْتَسَبَتْهُ مِنَ الْمَعَاشِ فِي ظُلَمِ لَيَالِيهَا » . ياله من تشبيه لطيف ! فقد شبه الشمس منتصف الليل بالمرأة التي تلفعت بخمارها وحين الشروق طرحته جانباً وقد أشرق ضياء وجه هذه الأم الحنون على مهد أولادها . العبارة الرائعة الأخرى أنّه قال : إنّ إشراق ذلك النور والضياء بلغ جحور الضباب المعروفة بشغفها بطلوع الشمس وقد أخرج آنذاك رأسه من جحره ليستقبل ضياء الشمس . وهي إشارة أيضاً إلى أنّ الخفافيش تحتفظ بما اصطادته في الليل لنهارها .

--> ( 1 ) . « حداق » جمع حدقة ، سواد العين ( 2 ) . « اسداف » جمع سدفة ، على وزن وزنة ، تعني ، أحياناً الظلمة ، وأخرى النور ، ووردت هنا بالمعنى الأول ( 3 ) . « غسق » بمعنى شدة الظلمة ، كما تستعمل بمعنى منتصف الليل لاشتداد الظلمة منتصف الليل ( 4 ) . « دجنة » من مادة ( دجون ) بمعنى ، السحاب والمطر ، ولما كان السحاب والمطر يؤدّي إلى الظلمة ، فإن مفردة الدجنة تعني الظلمة ، وغسق دجنته ، تعني ، شدّة الظلام ( 5 ) . « اوضاح » جمع وضح ، على وزن شفق ، بياض الصبح ( 6 ) . « ضباب » جمع ضب ، على وزن سد ، الحيوان المعروف ( 7 ) . « وجار » بمعنى ، جحر ( 8 ) . « مآقي » جمع مؤق ، على وزن قفل ، بمعنى طرف العين ممّا يلي الأنف ، كما فسّرها البعض بمجرى الدمع الواقع في زاوية العين ، ووردت في العبارة كإشارة إلى أنّ جفون الخفاش تغطي جميع عينه حتى زواياها . ولعل هذه العبارة إشارة إلى نقطة لطيفة وهي أنّ آخر نقطة تغلق عند غلق العين ما يلي طرف أنفه ( 9 ) . « تبلغت » من مادة ( تبلغ ) بمعنى اكتفت بالشيء