الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
452
نفحات الولاية
التشريع ، القضاء ، وأمره بالنسبة لأجزائه وشروطه ، قدر . النقطة الأخرى في كلام الإمام عليه السلام حمده اللَّه على ابتلائه بأصحابه العاصين . ذلك لأنّ أولياء اللَّه المسلمون لأمره ويرون كل ما ينالهم منه حسناً جميلًا . ثم خاطب عليه السلام الحاضرين في المجلس من زعماء قبائل الكوفة فقال : « أَيَّتُهَا الْفِرْقَةُ الَّتِي إِذَا أَمَرْتُ لَمْ تُطِعْ ، وَإِذَا دَعَوْتُ لَمْ تُجِبْ . إِنْ أُمْهِلْتُمْ خُضْتُمْ « 1 » ، وَإِنْ حُورِبْتُمْ خُرْتُمْ « 2 » وَإِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ طَعَنْتُمْ ، وَإِنْ أُجِئْتُمْ « 3 » إِلَى مُشَاقَّةٍ « 4 » نَكَصْتُمْ « 5 » » . فقد أشار إلى أربع نقاط لضعف الناس تجاهه : المعصية وعدم الاهتمام بالدعوة وتضييع الفرصة والضعف في ميدان القتال ، ولا شك أنّ كل واحدة تكفي لأن تكون سبباً للهزيمة فضلًا عن اجتماعها . ثم وبخهم بنوع من الحب ، فقال : « لَا أَبَا لِغَيْرِكُمْ ! مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ وَالْجِهَادِ عَلَى حَقِّكُمْ ؟ الْمَوْتَ أَوِ الذُّلَّ لَكُمْ ؟ » « 6 » . إشارة إلى أنّ الوضع الذي أنتم عليه - إزاء العدو الماكر كمعاوية وجيشه والذي يتسم بالضعف وعدم الإكتراث - ليس له من نتيجة سوى الموت أو الذل ، وإن بقيتم أحياء فالذلّة لهؤلاء ، العزّ في الجهاد ونتيجته النصر أو الشهادة ، كما قال الإمام عليه السلام : « الْمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ وَالْحَياةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ » « 7 » . ثم قال : « فَوَاللَّهِ لَئِنْ جَاءَ يَوْمِي - وَلَيَأْتِيَنِّي - لَيُفَرِّقَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأَنَا لِصُحْبَتِكُمْ
--> ( 1 ) . « خضتم » من مادة ( خوض ) على وزن حوض ، قال الراغب في المفردات ، الورود شيئاً فشيئاً في الماء والمشيفيه ، ثم وردت بالمعنى الكنائي للشروع بالأعمال السيئة أو الأقوال القبيحة ( 2 ) . « خرتم » من مادة ( خوار ) الصراخ وحيث ينشئ الصراخ من الضعف فهي تعني الضعف أو العجز ( 3 ) . « أُجئتم » من مادة ( أجاء ) وجذرها مجيء ، جلب الشخص أو الشيء ، وعليه إن اجئتم بمعنى أن جلبوكم ( 4 ) . « مشاقة » بمعنى الصعوبة أو الخصومة والعداة من مادة ( شق ) على وزن حق ( 5 ) . « نكصتم » من مادة ( نكص ) على وزن عكس ، الرجوع إلى الوراء ، القهقرى ( 6 ) . اعتبر أغلب شرّاح نهج البلاغة العبارة « الموت أو الذل » لكم نوعان من اللعن والدعاء عليهم ، أي متّم أوذللتم ، وهي ليست كذلك فقد أراد الإمام عليه السلام أن يبيّن وهنهم وضعفهم في الجهاد ، أي أنّ نتيجة عملكم إمّا الموت أو الذلة ، لاسيّما أنّ العبارة التي وردت قبلها « لا أبا لغيركم ! » والعبارة اللاحقة « للَّه أنتم ! » تفيد أنّه لم يكن في مقام الدعاء عليهم ، وقد أذعن الشرّاح بأنّه تلطف من الإمام عليه السلام بتوجيه الدعاء لغيرهم ( 7 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 51