الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

43

نفحات الولاية

القسم الثاني منها : « حَتَّى إِذَا كَشَفَ لَهُمْ عَنْ جَزَاءِ مَعْصِيَتِهِمْ ، وَاسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ جَلَابِيبِ غَفْلَتِهِمُ اسْتَقْبَلُوا مُدْبِراً ، وَاسْتَدْبَرُوا مُقْبِلًا ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا أَدْرَكُوا مِنْ طَلِبَتِهِمْ ، وَلَا بِمَا قَضَوْا مِنْ وَطَرِهِمْ . إِنِّي أُحَذِّرُكُمْ ، وَنَفْسِي ، هذِهِ الْمَنْزِلَةَ . فَلْيَنْتَفِعِ امْرُؤٌ بِنَفْسِهِ ، فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ ، وَنَظَرَ فَأَبْصَرَ ، وَانْتَفَعَ بِالْعِبَرِ ، ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً وَاضِحاً يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِي الْمَهَاوِي ، وَالضَّلَالَ فِي الْمَغَاوِي وَلَا يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ الْغُواةَ بِتَعَسُّفٍ فِي حَقٍّ ، أَوْ تَحْرِيفٍ فِي نُطْقٍ ، أَوْ تَخَوُّفٍ مِنْ صِدْقٍ » . الشرح والتفسير : الموعظة البالغة لما أشار الإمام عليه السلام إلى غفلة أصحاب الدنيا أردفها بعدم ديمومتها وطرحها قريباً حين يصفعهم الموت ويخرجهم من غفلتهم ، وعليه فمدى هذه الغفلة « حَتَّى إِذَا كَشَفَ لَهُمْ عَنْ جَزَاءِ مَعْصِيَتِهِمْ ، وَاسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ جَلَابِيبِ « 1 » غَفْلَتِهِمُ اسْتَقْبَلُوا مُدْبِراً ، وَاسْتَدْبَرُوا مُقْبِلًا » أجل ، عمر الدنيا قصير فإن أشرف الإنسان على الموت وأُزيلت عن عينه البرزخية حجب الغفلة ورأى أعماله آنذاك عندئذٍ يتغيّر كلّ شيء ويواجه حقيقة الموقف . ومن هنا يخلص الإمام عليه السلام إلى نتيجة واضحة « فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا أَدْرَكُوا مِنْ طَلِبَتِهِمْ ، وَلَا بِمَا قَضَوْا مِنْ وَطَرِهِمْ « 2 » » . قد ظن هؤلاء بخلودهم في الدنيا

--> ( 1 ) . « جلابيب » جمع جلباب ، الستار والثوب ( 2 ) . « وطر » بمعنى الحاجة وقضاء الوطر الاستفادة التامة من الشيء