الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
420
نفحات الولاية
والاستقرار . وبالطبع ، فإنّ اختلاف الصفوف والفرق طيلة التاريخ - كما ذكر الإمام عليه السلام - لم يجلب من خير قط . وأخيراً اختتم الإمام عليه السلام الخطبة بدعوة الجميع إلى إصلاح الذات وترك البحث عن عيوب الآخرين ، فقال : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ « طُوبى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ » ، وَطُوبى لِمَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ ، وَأَكَلَ قُوتَهُ ، وَاشْتَغَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ ، « وَبَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ » . ثم خلص عليه السلام إلى هذه النتيجة : « فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شُغُلٍ ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ ! » إشارة إلى أنّ كل انسان - سوى أولياء اللَّه والمعصومين عليهم السلام - ينطوي على عيب ، فإن إنهمك بعيوب الآخرين غفل عن إصلاح نفسه ولا يسعه بلوغ القرب الإلهي والتهذيب الخلقي والسير إلى اللَّه ، أمّا إن اختلى بنفسه وانشغل بعيبه وشعر بالندم لما فرط منه وغسل أدران المعصية بمياه طاعة اللَّه ولاسيّما بقطرة دمع صادقة ، أنذاك سيتمكن من إصلاح تلك نفسه والعروج بها إلى ساحة القدس . تأمّل : العيش بصورة جماعية أم الإنزواء حثّ الإمام عليه السلام في ختام الخطبة على الإنزواء والإعتزال ، الاعتزال الذي يعدّ مقدمة لتهذيب النفس والابتعاد عن المفاسد الاجتماعية ، وذهب أغلب علماء الأخلاق إلى أنّ الاعتزال يعدّ أحد الشرائط اللازمة لتهذيب الأخلاق . ولو تأملنا آيات القرآن الكريم لرأينا مرحلة العزلة التي شهدها الأنبياء العظام والصالحون في حياتهم . فقد قال إبراهيم الخليل عليه السلام حين واجه المجتمع الضال والمتعصب - الذي كان يصر على عبادة الأوثان - « وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِّى عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّى شَقِيّاً » « 1 » . وقد اعتزل موسى عليه السلام قومه أربعين يوماً لأخذ الألواح واتّجه إلى الطور ، حيث
--> ( 1 ) . سورة مريم ، الآية 48