الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
414
نفحات الولاية
الْقَلْبِ ، وَيَنَابِيعُ « 1 » الْعِلْمِ ، وَمَا لِلْقَلْبِ جِلَاءٌ غَيْرُهُ » . فقد أوجز الإمام عليه السلام بهذه العبارات الخمس ما يمكن قوله في القرآن ؛ الأول : أنّه حبل اللَّه المتين وكأنّه سحب من السماء إلى الأرض ليتمسك به العباد ، فيحلِّقون به إلى عنان السماء ويبلغون مقام القرب . وهذه هي العروة الوثقى التي أشار اللَّه إليها في كتابه : « فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَاانفِصَامَ لَهَا » . يعني لا شك فيه أنّ الطريق إلى الإيمان باللَّه والكفر بالطاغوت هو القرآن . الثاني : أنّه السبب الأمين ، أي ، الواسطة بين الخلق والخالق والذي لا يعرف الزلل والخيانة وكل ما فيه حق خالص . والثالث : أنّ القرآن ربيع القلوب ، فكما تدبّ الحياة في الربيع في الأشجار الميتة وتتفتح غصونها وأوراقها ، كذلك من ينفتح على القرآن يشعر بحيوية روحه وحياته بالإيمان والفضائل والأخلاق . الرابع : أنّ القرآن ينابيع العلوم ، ليس فقط العلوم التي تتعلق بمعرفة اللَّه وتربي في الإنسان روح الفضيلة والورع والتقوى فحسب ، بل القرآن دافع للخوض في العلوم التي تعني بخلق الإنسان والسماء والأرض وسائر الأحياء والكائنات ، وله إشاراته العميقة المعنى في كل هذه العلوم . وأشار في الخامس إلى هذه الحقيقة وهي ، أنّ جلاء القلوب مما يعلق بها من أدران الذنب والغفلة لا يتيسر إلّابنور القرآن الذي يزيل عنها الصدأ من خلال تلاوته وتدبّر آياته . أمّا قصّر الجلاء على القرآن فذلك لأنّ سائر الوسائل إنّما تستند في الواقع إلى القرآن ، فالقرآن مصدر كل شيء . ومن الطبيعي أن يكون الكتاب الذي يشتمل على هذه الخصائص أفضل واعظ . وأعرب الإمام عليه السلام عن أسفه لوضع المسلمين تجاه القرآن ، فقال : « « مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْمُتَذَكِّرُونَ ، وَبَقِيَ النَّاسُونَ أَوِ الْمُتَنَاسُونَ » هذه العبارة إجابة عن سؤال مقدّر في أنّ الآثار العظيمة التي أُشير إليها بشأن القرآن إن انحسرت في المجتمع الإسلامي فسبب ذلك لا يُعزى إلى القرآن ، بل لغفلة الجهال والمنافقين أو تغافلهم
--> ( 1 ) . « ينابيع » جمع ينبوع ، على وزن مقبول ، العين