الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
409
نفحات الولاية
قبلكم ، فقد دعوتم إلى مطلب واضح قامت عليه الأدلة الحية والتجريبية والنقلية . ثم خلص إلى هذه النتيجة : « فَلَا يَصَمُّ عَنْ ذلِكَ إِلَّا أَصَمُّ ، وَلَا يَعْمَى عَنْ ذلِكَ إِلَّا أَعْمَى . وَمَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِالْبَلَاءِ وَالتَّجَارِبِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِنَ الْعِظَةِ ، وَأَتَاهُ التَّقْصِيرُ مِنْ أَمَامِهِ « 1 » ، حَتَّى يَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ ، وَيُنْكِرَ مَا عَرَفَ » . فالتجارب الحسية والبلاء الإلهي أهم وسيلة لإيقاظ الإنسان ، فمن لم يتيقظ بهذا الأسلوب يستبعد أن ينتفع بالمواعظ والنصائح ، وليس له من عاقبة سوى رؤيته للحسن سيّئاً والسيء حسناً ، كما أورد ذلك القرآن الكريم : « قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً » « 2 » . فقد حسب معاوية وطلحة والزبير أنفسهم من المدافعين عن دم المظلوم ( دم عثمان ) هذا في صدر الإسلام ، واليوم يرى أصحاب البدع الوهابيون أنّهم مصلحو هذه الأُمّة ، وعادة ما يزعم المبتدعون طيلة التاريخ أنّهم مصلحون . ويختتم الإمام عليه السلام الخطبة بعبارة ، لتمييز صفوف المبتدعين من صفوف المتبعين للدين ، فيقول : « وَإِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ : مُتَّبِعٌ شِرْعَةً وَمُبْتَدِعٌ بِدْعَةً ، لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّةٍ ، وَلَا ضِيَاءُ حُجَّةٍ » وعليه فلابدّ لكل شخص من معرفة صنفه . فإن كان متشرّعاً فهو تابع للكتاب والسُنّة والدليل العقلي اليقيني ، وإن كان في صف المبتدعين فليس لديه دليل من كتاب ولا سُنّة ولا نور ولا ضياء من عقل ولا يتبع سوى أهوائه ويغيّر أحكام اللَّه بما ينسجم وتلك الأهواء . وبناءً على ما سبق فإنّ برهان السُنّة إشارة إلى الأدلّة النقلية ، وضياء الحجة الأدلة العقلية ، وهكذا يُعرِّف الإمام عليه السلام أهل البدع بأنّهم الأفراد الذين يتبعون أهواءَهم وخيالاتهم الباطلة .
--> ( 1 ) . « أمامه » تعني في الأصل جهة الأمام والعبارة ( أتاه التقصير من أمامه ) ، أي ، أتاه التقصير علانية ( 2 ) . سورة الكهف ، الآيتان 103 و 104