الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

386

نفحات الولاية

الذي لا يتسلل إليه الكذب والغش والخيانة ، فهو كتاب اللَّه الغني عن الجميع والمشفق بهم . ومن هنا خلص الإمام عليه السلام إلى نتيجتين مهمتين لهداية القرآن ؛ الأُولى ، أنّ من يجالس القرآن فهو دائماً في ازدياد ونقصان ؛ زيادة في الهدى ، ونقصان ، من العمى والضلال ، والأخرى أنّ القرآن مصدر عظيم ، والفرد أو المجتمع الذي يلتزم بأحكامه ويعمل بتعاليمه ، لا يصيبه فقر معنوي ، ولا مادي ، وعلى العكس من فارقه شهد الفقرين . طبعاً قد لا يكون الفرد في زمرة أتباع القرآن الكريم إلّاأنّ أعماله تنسجم مع تعاليمه ، كأن لا يكذب ولا يغش ولا يهضم الآخرين حقوقهم فذلك له نصيبه من النجاح والتوفيق ، وهذا ما أكده الإمام عليه السلام في وصيته « اللَّهَ اللَّهَ فِي الْقُرآنِ لَايَسْبِقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ » « 1 » وقد اختلف شرّاح نهج البلاغة في كلمة ( بعد ) في العبارة ( بعد القرآن ) هل معناها ، بعد نزول القرآن ، أم بعد العمل به ؟ ويبدو المعنى الثاني هو الصواب ، لأنّ العمل بالقرآن يزيل الفقر المعنوي والمادّي ، لا النزول دون العمل . ويستفاد ضمنيا من هذه العبارة أنّ ما يشهده العالم الإسلامي من ضعف وفقر في الجانب المعنوي والمادي إنّما يُعزى لابتعاده عن القرآن ، على غرار من جلس عند عين ماء صافية ويشكو العطش . ثم خلص إلى نتيجة أخرى فقال عليه السلام : « فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لَأْوَائِكُمْ « 2 » ، فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ : وَهُوَ الْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ ، وَالْغَيُّ « 3 » وَالضَّلَالُ » . فالإمام عليه السلام يعتبر القرآن وسيلة لحلّ المشاكل والشفاء من جميع الأمراض الأخلاقية والاجتماعية والمعنوية ، ويوجز هذه الأمراض في أربعة : الكفر والنفاق والجهل والضلال ؛ ذلك لأنّ القرآن يقذف نور الإيمان والإخلاص في القلب

--> ( 1 ) . نهج البلاغة ، الرسالة 47 ( 2 ) . « لأوى » من مادة ( لأي ) على وزن سعي ، بمعنى الشدة والمحنة ( 3 ) . « غي » بمعنى العمل الطائش أو الجهل النابع من الاعتقاد الفاسد ، حسب الراغب في المفردات