الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
365
نفحات الولاية
وهكذا يكشف الإمام عليه السلام النقاب عن كذب طلحة ومؤامرته بهذا الأسلوب المنطقي ويشير إلى أنّه سياسي محتال ومحترف ، ذلك لأنّ وضعه إزاء عثمان - طبق الحصر العقلي - لا يتجاوز إحدى ثلاث حالات : إمّا ، كان يعتبره ظالماً أو مظلوماً أو شاكاً فيه ؛ وكل حالة تتطلب تعامل مناسب ، لكنه وقف يوماً خلف الكواليس يؤلب الآخرين على قتل عثمان ، وما أن قتل عثمان حتى هبّ للدفاع عنه والمطالبة بدمه . هذه هي طريقة الساسة المحترفين الذين يغيرون مسيرتهم بين ليلة وضحاها أحياناً . ولا تبدو سياسة معاوية - وإن حاول الابتعاد عن هذه الأحداث - مختلفة عن سياسة طلحة . فقد تخلى عن عثمان حتى قتل ، ثم طالب بدمه . كان هؤلاء راضيين في الواقع بقتل عثمان ، أملًا في نيل الخلافة . وقد صرح الإمام علي عليه السلام بأنّ طلحة لم يتعاون مع قتلة عثمان ، والحال ، يفيد التاريخ أنّه ساعدهم . طبعاً ، مراد الإمام عليه السلام أنّه لم يرد الميدان علناً ، لكنه كان ينسّق بعيداً عن الأنظار - ما يجدر ذكره أنّ ابن قتيبة ذكر في كتابه ( الإمامة والسياسة ) أنّ عائشة خطبت الناس في البصرة ودعتهم للطلب بدم عثمان ، فأبرز رجل من أشراف البصرة كتابا كتبه إليه طلحة يحثّه فيه على قتل عثمان . فقال لطلحة : أتعرف هذا الكتاب ؟ قال طلحة : بلى . قال : فما الذي حدث ؟ بالأمس تريد قتل عثمان ، واليوم تدعوا إلى المطالبة بدمه ؟ وقد قلت : إنّ علياً عليه السلام دعاك ليوليك الناس الخلافة لكبر سنك ، فأبيت وبايعته حيث قلت : هو أقرب للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسوابقه في الإسلام مقدمة ، فلمَ نقضت بيعتك ؟ أجاب طلحة : لقد قال ذلك بعد أن بايعه الناس وولّيَ الخلافة ، وكنت أعلم أنّه لا يفعل ، وإن فعل لم يرض بخلافة المهاجرين والأنصار ، فخفت إن لم أبايع أُقتل فبايعت مكرها ؟ فقال له الرجل : وكيف تغيّر موقفك من عثمان ؟ قال طلحة : إنّ قومنا عابوا علينا عدم نصرته ، واليوم نطالب بدمه « 1 » ويتضح من هذا ، أنّ الناس آنذاك كانوا يدركون عدم
--> ( 1 ) . الإمامة والسياسة ، ج 1 ، ص 88 ذكرنا مطالب أخرى في الجزء الخامس من هذا الكتاب ، ذيل الخطبة 137