الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
339
نفحات الولاية
ثم قال عليه السلام « وَإِنَّمَا طَلَبْتُ حَقّاً لِي وَأَنْتُمْ تَحُولُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، وَتَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ » . إلّاأنّ حرصهم حال دون إذعانهم لهذه الحقيقة . لذلك واصل كلامه قائلًا : « فَلَمَّا قَرَّعْتُهُ « 1 » بِالْحُجَّةِ فِي الْمَلَاءِ الْحَاضِرِينَ هَبَّ « 2 » كَأَنَّهُ بُهِتَ لَايَدْرِي مَا يُجِيبُنِي بِهِ ! » قضية الشورى التي شكلها عمر حين وفاته كانت ضجة ضخمة أفصحت عن الأحقاد والضغائن التي يكنّها بعض الصحابة لأمير المؤمنين علي عليه السلام وتشير إلى حجم المؤامرة المبيتة بغية زحزحته عن مقامه وحقّه الاجتماعي حتى طالبوه بالتخلي عن حقّه وإلّا إتّهم بالحرص على الخلافة . جدير بالذكر أنّ ابن أبي الحديد قال : يعتقد الشيعة أنّ الإمام عليه السلام قال هذا الكلام في أبي عبيدة الجراح في سقيفة بني ساعدة التي شكلت لاختيار الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وآله « 3 » . والحال لم نر أحداً من علماء الشيعة قال بذلك ، والمسلم لدينا أنّ الإمام عليه السلام لم يكن حاضراً في السقيفة . وقد فرغنا من شرح هذه الأحداث في الجزء الأول من هذا الكتاب ذيل الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية . ثم تضرع الإمام عليه السلام إلى اللَّه يشكو ما ألم به من ظلم فيستلهمه العون قائلًا : « اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ « 4 » عَلَى قُرَيْشٍ وَمَنْ أَعَانَهُمْ ! فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي ، وَصَغَّرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِي ، وَأَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي أَمْراً هُوَ لِي . ثُمَّ قَالُوا : أَلَا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ ، وَفِي الْحَقِّ أَنْ تَتْرُكَهُ » . فهذه العبارة تكشف بوضوح أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يرى الخلافة حقّه الطبيعي ، وذلك لأنّه كان أجدر بها من غيره إلى جانب نص النبي الأكرم صلى الله عليه وآله على ولايته في الغدير والذي أكده مراراً وتكراراً ، إلّاأنّ عشاق المناصب أسقطوا نص رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وحكم العقل ، ومارسوا الأعمال التي من شأنها
--> ( 1 ) . « قرعته » من مادة ( قرع ) على وزن فرع ، بمعنى ضرب الشيء على آخر بحيث يتولد صوت شديد . وتستعملهذه المفردة في الأمور المعنوية ، أي تستعمل بشأن الأدلة الواضحة والدامغة كالخطبة المذكورة ( 2 ) . « هب » من مادة ( هبوب ) بمعنى حركة الرياح ، أحياناً ، وأخرى بمعنى الهيجان ، وكذلك البهت أو النهوض من النوم ، والمعنى الثاني هو المراد في العبارة ( 3 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبيالحديد ، ج 9 ، ص 305 ( 4 ) . « أستعديك » من مادة ( استعداء ) بمعنى الشكوى وطلب العون