الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

331

نفحات الولاية

قَرَاراً لِلْأَنَامِ ، وَمَدْرَجاً « 1 » لِلْهَوَامِّ « 2 » وَالْأَنْعَامِ ، وَمَا لَايُحْصَى مِمَّا يُرَى وَمَا لَايُرَى » . إنّ هذه العبارات تفيد إحاطة الإمام عليه السلام العلمية بجميع الكائنات على الأرض والتي تشمل الإنسان والحيوانات الأهلية وغير الأهلية حتى الديدان التي لا ترى بالعين المجرّدة كأنواع الميكروبات والفيروسات . وذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ المراد من ( ما لا يرى ) الأحياء المتناثرة في الصحراء والتي لا يراها أحد ، وقالوا : لو أوقدت نار في الصحراء في ليلة مظلمة لاجتمعت حولها ديدان لم يرها الإنسان ، ولكن بالنظر إلى الاكتشافات الحديثة بشأن الأحياء المجهرية التي لا ترى بالعين المجرّدة لا تبدو هناك حاجة لمثل هذا التفسير ، فهناك طائفة من الأحياء التي لا ترى بأي شكل من الأشكال ، وهذا الكلام من كرامات الإمام عليه السلام التي أماطت اللثام عن حقيقة كانت خفية على الجميع آنذاك . وعبّر عن الإنسان بالقرار ( موضع الاستقرار والإقامة ) وعن الحيوانات بالمدرج ( موضع السير البطئ والتدريجي ) ولعل الفارق في التعبيرين ، يعزى إلى الحركة في الحيوانات التي تفوق نظيرتها عند الإنسان . ثم قال عليه السلام في الصفة الثالثة للذات المقدّسة في دعائه العظيم : « وَرَبَّ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي « 3 » الَّتِى جَعَلْتَهَا لِلْأَرْضِ أَوْتَاداً ، وَلِلْخَلْقِ اعْتِمَاداً » . فالعبارة كون الجبال للأرض أوتاداً اقتباس من القرآن الكريم بشأن الجبال : « وَالْجِبَالَ اوْتَاداً « 4 » » « 5 » . أحياناً يتصور أنّ حجم أضخم الجبال صغير بالنسبة للكرة الأرضية ، بحيث لا يصح اطلاق الوتد عليه ، لكن بالنظر إلى أنّ لهذه الجبال العظيمة جذور في أعماق الأرض ، وهذه الجذور متصلة مع بعضها كدرع أحاط بالأرض يحول دون الضغوط الداخلية

--> ( 1 ) . « مدرج » من مادة ( دروج ) بمعنى طي الطريق ، ومدرج ، يطلق على موضع طي الطريق ( 2 ) . « هوام » جمع ( هامة ) الحيوانات الصغيرة كالفأرة والحية ( 3 ) . « رواسي » جمع ( راسية ) الثابت والراسخ ( 4 ) . « أوتاد » جمع ( وتد ) على وزن نمد ، المسمار ، ومن مادة ( وتد ) ، على وزن وقت ، بمعنى تثبيت الشيء ( 5 ) . سورة النبأ ، الآية 7