الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

300

نفحات الولاية

ثم أكد الإمام عليه السلام من بين كل الفضائل على الفرائض والواجبات ، فقال : « الْفَرَائِضَ الْفَرَائِضَ ! أَدُّوهَا إِلَى اللَّهِ تُؤَدِّكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ » . إشارة إلى إن الخيرات التي دعى إليها القرآن على نوعين ، واجبة وغير واجبة ( مستحبات وفضائل ) وعليكم قبل كل شيء بأداء الواجبات فإن شعرتم بقوّة فأتوا بالمستحبات ؛ ذلك لأنّ ما يأخذ بيد الإنسان قبل كل شيء إلى الجنّة ، أداء الفرائض والواجبات . طبعاً الفرائض تشمل العبادات والواجبات الأخرى التي أوجبها اللَّه على الإنسان فيما يتعلق بنفسه أو الآخرين . ثم أشار الإمام عليه السلام إلى نقطة كأنّها دليل على العبارة السابقة ، فقال : « إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ حَرَاماً غَيْرَ مَجْهُولٍ ، وَأَحَلَّ حَلَالًا غَيْرَ مَدْخُولٍ « 1 » » . إنّها عبارة لطيفة تشير إلى مصالح ومفاسد الأحكام الشرعية التي اعتبرها الحكيم في الواجبات والمحرمات ، بعبارة أخرى ، رغم وجوب طاعة أوامر اللَّه في الإتيان بالواجبات وترك المحرمات ، إلّاأنّ هذه الطاعة ليست عمياء ، ذلك لأنّ جميع الواجبات تشتمل على مصالح ، بينما تنطوي المحرمات على مفاسد تعود على نفس العباد : « يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ » « 2 » ولما كانت رعاية حقوق المسلمين وحفظ حرمتهم لا تقل أهميّة عن الفرائض والواجبات ، فقد قال عليه السلام : « وَفَضَّلَ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْحُرَمِ « 3 » كُلِّهَا ، وَشَدَّ بِالْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا « 4 » » . إنّ أدنى نظرة إجمالية على الكتب الفقهية كافة - من العبادات إلى الحدود والديات - لتشهد على صدق هذا المعنى في أنّ الإسلام أولى أهميّة عظيمة لحرمة

--> ( 1 ) . « مدخول » بمعنى معيب ، من مادة ( دخل ) على وزن نخل ، بمعنى الفساد من الداخل . ولهذه المفردة معان‌ٍأخرى منها الدخول في المكان ( 2 ) . سورة الأعراف ، الآية 157 ( 3 ) . « حرم » بفتح الراء جمع حرمة بمعنى الاحترام ، وحرم بضم الراء ، جمع حرام بمعنى الممنوع ، و « احرام » جمع‌حرم على وزن قلم ، بمعنى الناحية الممنوعة ( 4 ) . « معاقد » جمع ( معقد ) على وزن مجلس ، بمعنى موضع اغلاق الشيء ، كالحزام الذي يربط الظهر ، وفي العبارة إشارة إلى رابطة الإخلاص والتوحيد لحقوق المسلمين