الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
283
نفحات الولاية
تحدث الإمام عليه السلام بكل فصاحته وبلاغته المعهودة في هذه الخطبة عن جمال هذا العالم أحياناً ، وأحياناً أخرى عن جمالية العالم الآخر ، لكنه ما أن يبلغ شرح نعم الآخرة حتى يشير إلى هذه الحقيقة وهي أنّ ما يتعلق بذلك العالم يتعذر بيانه ، بحيث لو يراه الإنسان لتمنى المسارعة إليه . حقّاً أنّ آداب الحياة الدنيا لا يسعها شرح الحياة الآخرة ، وذلك أشبه بأن يسجن الإنسان منذ ولادته في غرفة ولما اكتمل عقله أرادوا أن يشرحوا له المناظر الجميلة المتناثرة في الحدائق والبساتين والشلالات ومختلف الأماكن الطبيعية الرائقة ، يحدثوه عن الطاووس وألوانه الجميلة وأصوات الطيور العذبة ، والفاكهة الذيذة وسائر المناظر الخلابة ، فبالطبع لا تسعفه الآداب التي تعلمها في تلك الغرفة المظلمة لأن يفهم ما يسمع . الجدير بالذكر أنّ الإمام ينظر إلى نعم الآخرة من زوايا مختلفة ، فتارة من زاوية حظ البصر وأخرى من خلال الفواكه الذيذة والثمار الطبيعية ، وأحياناً من خلال الضيافة المفعمة بالكرامة والاجلال ، والأخرى عن الأمن والسكينة التي تسود الجنّة . فليس هنالك من مرض ولا تعب ولا إرهاق ولا موت ولا سلطان ظالم ولا خيانة ولا مكر ولا غدر ولا حرب وخراب ودمار . بل الحاكم هو الإمن والأمان والسلام . عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال : « انَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمَّا حَوَّطَ حَائِطَ الْجَنَّةِ لَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ ، وَلَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَغَرَسَ غَرْسَهَا قَالَ لَهَا : تَكَلَّمِي فَقَالَتْ : قَدْ افْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ، فَقَالَ : طُوبى لَكَ مَنْزِلَ الْمُلُوكِ » « 1 » . وعن عبد اللَّه بن جابر الأنصاري أن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال : « اذَا دَخَلَ اهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ لَهُمْ رَبَّهُمْ تَعَالَى : أَتُحِبُّونَ أَنْ لَذِيذَكُمْ فَيَقُولُونَ : وَهَلْ خَيْرٌ مِمَّا أَعْطَيْتَنَا ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ رِضْوَانِي أَكْبَرُ » « 2 » .
--> ( 1 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبيالحديد ، ج 9 ، ص 280 ( 2 ) . المصدر السابق