الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

27

نفحات الولاية

محدود من جميع الجهات ، وغير المحدود لا يسعه المحدود مطلقاً . من جانب آخر فقد ملأت آثار وجوده أركان العالم بأسره بحيث لا يسع شيء حجبها ، فذاته خفية على الجميع وآثاره ظاهرة للجميع . والعبارة « لِافْتِرَاقِ الصَّانِعِ . . . » دليل على خفاء ذاته المقدّسة وظهور آثاره ، لاختلاف الخالق والمخلوق والحاد والمحدود والرب والمربوب . فالمصنوع الممكن الوجود لا يمكنه إدراك الصانع الواجب الوجود ، والمخلوقات المحدودة لا يسعها درك الخالق اللامحدود والموجودات الخاضعة لربوبية الرب يتعذر عليها إدراكه كما هو . جدير بالذكر أنّ طائفة من شرّاح نهج البلاغة ذهبوا إلى أنّ هذه استدلالات على جميع الصفات المذكورة سابقاً ، إلّاأنّ التفسير الأول يبدو أنسب . وقال في بيانه للصفة السادسة والسابعة : « الْأَحَدِ بِلَا تَأْوِيلِ عَدَدٍ ، وَالْخَالِقِ لَا بِمَعْنى حَرَكَةٍ وَنَصَبٍ « 1 » » فحين يقال : اللَّه واحد يتصور البعض أن مفهوم ذلك أنّه واحد وليس بثان ، وهذا خطأ محض ؛ لأنّ مفهوم هذا الكلام إمكانية تصور ثانٍ له ولكن لا وجود له ؛ والحال لا يمكن تصور ثانٍ لذاته المقدّسة ، وهل يمكن تصور التعدد في الذات اللا محدودة من جميع الجهات ؟ ! لو تصور التعدد لكان كلاهما محدودا . وعليه فتوحيد الذات الإلهية ليس بمعنى الوحدة العددية ، بل بمعنى الوحدة بالنسبة للشبيه والنظير وما شاكل ذلك ، لا في الذهن ولا في الخارج . وحين يقال : قد يقتدح إلى ذهن البعض أنّ الخالق شمّر عن ساقيه ويديه وانطلق من هنا إلى هنالك واجهد نفسه لخلق الموجودات ؛ على غرار ما نقوم به حين نصنع بعض الأشياء ، كلا : « إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » « 2 » . ثم تطرق إلى الصفة الثامنة والتاسعة فقال : « وَالسَّمِيعِ لَابِأَدَاةٍ ، وَالْبَصِيرِ لَابِتَفْرِيقِ آلَةٍ » . والتوضيح الذي أورده الإمام عليه السلام منشأه ما يتوارد إلى الأذهان حين الحديث

--> ( 1 ) . « النصب » بمعنى التعب والمشقة ( 2 ) . سورة يس ، الآية 82 .