الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

229

نفحات الولاية

القسم الثالث أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ السَّوِيُّ ، وَالْمُنْشَأُ الْمَرْعِيُّ ، فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ ، وَمُضَاعَفَاتِ الْأَسْتَارِ . بُدِئْتَ « مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ » ، وَوُضِعْتَ « فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ » وَأَجَل مَقْسُومٍ . تَمُورُ فِي بَطْنِ أُمِّكَ جَنِيناً لَاتُحِيرُ دُعَاءً ، وَلَا تَسْمَعُ نِدَاءً ؛ ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّكَ إِلَى دَارٍ لَمْ تَشْهَدْهَا ، وَلَمْ تَعْرِفْ سُبُلَ مَنَافِعِهَا . فَمَنْ هَدَاكَ لِاجْتِرَارِ الْغِذَاءِ مِنْ ثَدْيِ أُمِّكَ ، وَعَرَّفَكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلَبِكَ وَإِرَادَتِكَ ! هَيْهَاتَ ، إِنَّ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ صِفَاتِ ذِي الْهَيْئَةِ وَالْأَدَوَاتِ فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ خَالِقِهِ أَعْجَزُ ، وَمِنْ تَنَاوُلِهِ بِحُدُودِ الْمَخْلُوقِينَ أَبْعَدُ ! الشرح والتفسير : الأرفع من الخيال والوهم هذا المقطع الذي يمثل القسم الأخير من الخطبة هو جواب عن سؤال من الأسئلة التي تفرزها الأقسام السابقة ، وهو تعذر معرفة اللَّه بهذه الصفات من قبيل كونه الأول والأخر والظاهر والباطن والقريب من الأشياء والبعيد عنها والمطلق العلم واللامتناهي القدرة . صحيح ، لدينا علم إجمالي بكل هذه الصفات ولكن ليس لدينا من سبيل إلى العلم التفصيلي الذي نعبّر عنه بالعلم بكنه الذات والصفات . يشير الإمام عليه السلام هنا إلى جانب من خلق الإنسان والأسرار المعقدة التي تكتنف فترة كونه جنيناً إلى جانب الأسرار العظيمة لولادته وما بعدها ، ثم يخلص إلى نتيجة في أنّك إن عجزت عن التوصل إلى أسرار خلقتك كيف يسعك العلم بكنه صفات خالقك ؟