الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
197
نفحات الولاية
فقد رسمت الآية القرآنية الشريفة صورة واضحة عن تفاهة الدنيا وانقطاع نعيمها وزوالها في إطار واضح ، كما ورد هذا الانتقال في آية أخرى : « وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ » « 1 » . ثم قال مواصلًا وصف الدنيا : « أَقْرَبُ دَارٍ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ ، وَأَبْعَدُهَا مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ ! » . ودليل ذلك واضح هو أنّ الدنيا هوى وهوس يقذف بالإنسان في مستنقع الذنب من كل جانب وهذا ما يوجب غضب اللَّه وعدم رضاه . طبعاً ، المراد من الدنيا هنا ، الدنيا المادية التي يجعلها الإنسان هدفاً ويعتمد كل الوسائل للحصول عليها وإن قارف الذنوب ، وإلّا فالدنيا وسيلة على الاقتدار للطاعة وشكر النعمة وبلوغ السعادة . ثم خلص عليه السلام إلى هذه النتيجة : « فَغُضُّوا « 2 » عَنْكُمْ - عِبَادَاللَّهِ - غُمُومَهَا وَأَشْغَالَهَا ، لِمَا قَدْ أَيْقَنْتُمْ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا وَتَصَرُّفِ حَالَاتِهَا . فَاحْذَرُوهَا حَذَرَ الشَّفِيقِ النَّاصِحِ وَالْمُجِدِّ الْكَادِحِ « 3 » » . إشارة إلى تصاعد آلام الدنيا وتزايد همها ، فكلما اقترب الإنسان منها زاد غناؤه حتى يسيطر الهم على جميع كيانه . قال الإمام الباقر عليه السلام : « مَثَلُ الحَرِيصِ عَلَى الدُّنيا مَثَلُ دُودَةِ القَزِّ كُلَّما إِزْدَادتْ مِنَ القُزِّ عَلَى نَفْسِها لَفاً كَانَ أَبْعَدُ لَها مِنَ الخُرُوجِ حَتّى تَمُوتَ غَمَّاً » « 4 » . وقد تمثل الشاعر العربي فأنشد « 5 » . أَلَمْ تَرَ أَنّ المَرءَ طُولَ حَياتِهِ * حَرِيصٌ عَلى ما لايَزالُ يَنَاسِجُهُ كَدُودٌ كَدُودِ القَزِّ يَنْسِجُ دائماً * فَيُهلَكُ غَمّاً وَسَطَ ما هُوَ ناسِجُ
--> ( 1 ) . سورة آل عمران ، الآية 140 ( 2 ) . « غضوا » من مادة ( غض ) على وزن حظ ، بمعنى الحد والتقليل ، وغض البصر ، بمعنى عدم تركيز الإنسان علىالشيء في النظر إليه ، بل يخفض عينيه إلى الأسفل ( 3 ) . « كادح » من مادة ( كدح ) على وزن مدح ، السعي المصحوب بالمشقة ( 4 ) . أصول الكافي ، ج 2 ، ص 316 ( 5 ) . حاشية الكافي ، ج 2 ، ص 316 ، كدود في البيت الثاني صيغة مبالغة من مادة ( كد ) يعني الجهد