الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
195
نفحات الولاية
القسم الثاني أُوصِيكُمْ عِبَادَاللَّهِ ، بِتَقْوَى اللَّهِ وَطَاعَتِهِ ، فَإِنَّهَا النَّجَاةُ غَداً ، وَالْمَنْجَاةُ أَبَداً . رَهَّبَ فَأَبْلَغَ ، وَرَغَّبَ فَأَسْبَغَ ؛ وَوَصَفَ لَكُمُ الدُّنْيَا وَانْقِطَاعَهَا ، وَزَوَالَهَا وَانْتِقَالَهَا . فَأَعْرِضُوا عَمَّا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا . أَقْرَبُ دَارٍ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ ، وَأَبْعَدُهَا مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ ! فَغُضُّوا عَنْكُمْ - عِبَادَاللَّهِ - غُمُومَهَا وَأَشْغَالَهَا ، لِمَا قَدْ أَيْقَنْتُمْ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا وَتَصَرُّفِ حَالَاتِهَا . فَاحْذَرُوهَا حَذَرَ الشَّفِيقِ النَّاصِحِ وَالْمُجِدِّ الْكَادِحِ . وَاعْتَبِرُوا بِمَا قَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ مَصارِعِ الْقُرُونِ قَبْلَكُمْ : قَدْ تَزَايَلَتْ أَوْصَالُهُمْ ، وَزَالَتْ أَبْصَارُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ ، وَذَهَبَ شَرَفُهُمْ وَعِزُّهُمْ ، وَانْقَطَعَ سُرُورُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ ؛ فَبُدِّلُوا بِقُرْبِ الْأَوْلَادِ فَقْدَهَا ، وَبِصُحْبَةِ الْأَزْوَاجِ مُفَارَقَتَهَا . لَايَتَفَاخَرُونَ ، وَلَا يَتَنَاسَلُونَ ، وَلَا يَتَزَاوَرُونَ ، وَلَا يَتَحَاوَرُونَ . فَاحْذَرُوا ، عِبَادَاللَّهِ ، حَذَرَ الْغَالِبِ لِنَفْسِهِ ، الْمَانِعِ لِشَهْوَتِهِ ، النَّاظِرِ بِعَقْلِهِ ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ وَاضِحٌ ، وَالْعَلَمَ قَائِمٌ ، وَالطَّرِيقَ جَدَدٌ وَالسَّبِيلَ قَصَدٌ . الشرح والتفسير : الاعتبار بالأمم السابقة خاض الإمام عليه السلام في هذا الجانب من الخطبة باسداء النصح والموعظة التي توقظ الغافلين بعد أن أكد في الموضع السابق على تقوية روح الإيمان لدى المخاطبين ليؤكد هنا على بعض الجوانب العلمية ، ذلك لأنّ عمل ثمرة الشجرة الإيمان فقال : « أُوصِيكُمْ عِبَادَاللَّهِ ، بِتَقْوَى اللَّهِ وَطَاعَتِهِ ، فَإِنَّهَا النَّجَاةُ غَداً ، وَالْمَنْجَاةُ « 1 » أَبَداً » .
--> ( 1 ) . « منجاة » من مادة ( نجاة ) اسم مكان بمعنى موضع النجاة ، ولها معنى مصدري ، ونجاة ، بمعنى الخلاص