الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
190
نفحات الولاية
وذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ العبارات الأربع المذكورة تشير إلى القرآن الذي نظر إليه الإمام عليه السلام من عدّة جوانب ؛ إلّاأنّ الأنسب ما ذكرناه من أنّ كل عبارة تشير إلى جانب معين ؛ الأمر الذي استحسنه سائر الشرّاح . على كل حال فإنّ كلام الإمام عليه السلام إشارة إلى أركان الدعوة الكاملة الشاملة والتي تستند إلى نور الوحي ، والتي بينت بمختلف المعجزات والأدلة والبراهين وكتاب الهداية القرآنية بأحكامه الجلية الواضحة . ثم خاض عليه السلام بثمان عبارات قصيرة في التعريف بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله فقال : « أُسْرَتُهُ خَيْرُ أُسْرَةٍ ، وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ شَجَرَةٍ ؛ أَغْصَانُهَا مُعْتَدِلَةٌ ، وَثِمَارُهُا مُتَهَدِّلَةٌ . مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ ، وَهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ « 1 » عَلَا بِهَا ذِكْرُهُ وَامْتَدَّ مِنْهَا صَوْتُهُ » . متهدل ، بمعنى متدلٍ وهنا تعني الفاكهة القريبة من الجميع . ولعل موفقية الإنسان وسعادته تتحقق في ظل أمور مختلفة ولكل من نجابة الأسرة وكرامة الحسب والنسب ورفعة شخصية الأهل والقرابة وأهميّة مسقط الرأس والبيئة والنشاط في أجوائها ، دور مهم في تلك السعادة . ولو أمعنا النظر في حياة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله نجد أنّه صلى الله عليه وآله إلى جانب سمّوه الذاتي قد توفرت له سائر العوامل اللازمة للتوفيق والنجاح ليتمكن على ضوئها من ممارسة دوره في هداية الناس ، فنسبه الشريف يمتد إلى إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام حيث ورث منهما الشجاعة والتضحية . قبيلته بني هاشم من أشرف القبائل العربية . أبوه عبداللَّه ، وجدّه عبد المطلب ، وعمّه حمزة وأبو طالب ، وابن عمّه علي وجعفر عليهما السلام ، وبنته فاطمة الزهراء عليها السلام أم المعصومين عليهم السلام . وولادته في مكة الحرم الإلهي الآمن ، وهجرته إلى المدينة الطيبة مركز الإيثار والفداء والتضحية . ومن هناك وسع رقعة دعوته وأسمع صوته العالم بأسره ، والأسرة من مادة أسر على وزن عصر ، بمعنى القوة والقدرة إشارة إلى أُسرة بني هاشم وقرابة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله .
--> ( 1 ) . « طيبة » بمعنى الطاهرة ، ويستفاد من لسان العرب أنّ النبي صلى الله عليه وآله دعاها بهذا الاسم ( بمناخها المعتدل وكثرةاشجارها وإيثار أهلها ) ونهى عن بقاء اسم يثرب لأنّه يعني في الأصل الفساد