الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
182
نفحات الولاية
فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ « 1 » ، وَزُوِيَتْ « 2 » عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمِ زُلْفَتِهِ « 3 » » . وعلى ضوء هذه المقدمة خاض في برهانه المنطقي فقال : « فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ بِعَقْلِهِ : أَكْرَمَ اللَّهُ مُحَمَّداً بِذَلِكَ أَمْ أَهَانَهُ ! فَإِنْ قَالَ : أَهَانَهُ ، فَقَدْ كَذَبَ - وَاللَّهِ الْعَظِيمِ - بِالْإِفْكِ الْعَظِيمِ ، وَإِنْ قَالَ : أَكْرَمَهُ ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ ، وَزَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ » . لا ينبغي أن ننسى هنا أنّ فئة من الأثرياء آنذاك كانت ترى ثروتها دليلًا على عناية اللَّه بها ، وبالتالي فإنّ الفقراء والضعفاء مبعدون عن عناية اللَّه ، وهذا التفكير دفع بهم لحث الآخرين على جمع الثروة عن أي طريق وباية وسيلة . ومن هنا « وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ » « 4 » فرد عليهم الحق تعالى « وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ » « 5 » . والإمام عليه السلام ليفند بالبرهان القاطع هذه الفكرة المريضة السائدة في الأذهان . فالحق أنّ اللَّه سبحانه وتعالى أولى رسوله صلى الله عليه وآله عناية فائقة ، في حين كان محروماً من زخارف الدنيا وزبرجها ، ولا يستطيع أحد أن يزعم أنّ اللَّه أهان نبيّه ، وعليه نخلص إلى نتيجة مفادها أنّ الإمكانات المادية والثروة ليست دليلًا على الشخصية ولذلك خلص الإمام عليه السلام إلى هذه النتيجة : « فَتَأَسَّى « 6 » مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ ، وَاقْتَصَّ أَثَرَهُ ، وَوَلَجَ مَوْلِجَهُ ، وَإِلَّا فَلَا يَأْمَنِ الْهَلَكَةَ » .
--> ( 1 ) . « خاصة » بمعنى ( قرابة الإنسان ) ، شرّاح نهج البلاغة فسّروا ( خاصة ) اسم الفاعل بالمعنى المصدري والمفهومأنّه جاع رغم خصوصيته عند اللَّه تعالى ، لكنه لا يبدو مستقيماً ( 2 ) . « زويت » من مادة ( زي ) على وزن حي ، قبض الشيء وأبعاده ( 3 ) . « زلفة » بمعنى المقام والمنزلة ( 4 ) . سورة الزخرف ، الآية 31 ( 5 ) . سورة الزخرف ، الآيات 33 - / 35 ( 6 ) . « فتأسى » وردت في أغلب نسخ نهج البلاغة ( تأسّ ) كفعل ماض ، لكن يستفاد منها معنى الأمر بقرينة العبارة ( وإلّا فلا يأمن الهلكة ) ، لكنّها وردت بصيغة فعل الأمر في بعض النسخ « فتأسى »