الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
159
نفحات الولاية
ثم إشار عليه السلام إلى قضية مهمّة تكمن في تضاد أعمال الناس بخصوص موضوع الخوف والرجاء . فلو أمل شخص شخصاً آخر في مسألة لابدّ له من الخضوع والخشوع ، وإن خاف شيئاً أيضاً حسب له ألف حساب ، بينما لا يبدي مثل هذه الحساسية تجاه اللَّه تبارك وتعالى سواء على مستوى الرجاء والأمل أو الخوف وحتى في القضايا المهمّة ، فهنالك تواضع يبديه لسائر العباد يفوق نظيره للَّهتعالى : « فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ يَرْجُو اللَّهَ فِي الْكَبِيرِ ، وَيَرْجُو الْعِبَادَ فِي الصَّغِيرِ ، فَيُعْطِي الْعَبْدَ مَا لَا يُعْطِي الرَّبَّ ! » . ثم واصل كلامه عليه السلام بالإشارة إلى سبب ذلك فقال : « فَمَا بَالُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ بِهِ لِعِبَادِهِ ؟ أَتَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً ؟ أَوْ تَكُونَ لَاتَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً ؟ » حقاً أنّ الإنسان الذي يؤمن باللَّه وأنّه قادر على كل شيء ويؤمن برحمانيته ورحيميته وفضله وكرمه ، لا يمكن أن يكون أمله باللَّه كاذباً ، أو أن لا يراه أهلًا للأمل . لو تأملنا قليلًا هذه الأفكار لأدركنا بما لا يقبل الشك أصل الانحراف عن التوحيد ومعرفة اللَّه . فالحقيقة أنّ عصارة كلام الإمام عليه السلام هي أننا نرى أنّ بعض الأفراد يتجهونالبعض الآخر لحاجة صغيرة فيبدون لهم صنوف الاحترام والاجلال ، بينما لا تشاهد منهم هذه الأمور حين يقصدون اللَّه لحاجاتهم الكبرى ، وليس هنالك من تفسير لهذه القضية سوى ضعف مثل هؤلاء الأفراد وعجزهم عن معرفة اللَّه والوقوف على صفاته الجلالية والجمالية . ثم انتقل الإمام عليه السلام منالرجاء إلىالخوف وقارن بين خوف اللَّه وخوف العبد ، فقال : « وَكَذلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ ، أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لَايُعْطِي رَبَّهُ ، فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً ، وَخَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِماراً « 1 » وَوَعْداً » . قطعاً أنّ سبب هذا الازدواج يعزى إلى ضعف الإيمان ، ذلك لأنّ قدرة العباد هشة مقارنة بقدرة اللَّه ، فلو فرضنا جميع قدراتهم ، ومضة ، لكانت قدرة اللَّه بحاراً من
--> ( 1 ) . « ضمار » الوعد البعيد ، وتعني الوعود والديون التي لا رجاء فيها