الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

145

نفحات الولاية

وَلَقَدْ أَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ ، وَأَحَطْتُ بِجُهْدِي مِنْ وَرَائِكُمْ . وَأَعْتَقْتُكُمْ مِنْ رِبَقِ الذُّلِّ ، وَحَلَقِ الضَّيْمِ ، شُكْراً مِنِّي لِلْبِرِّ الْقَلِيلِ وَإِطْرَاقاً عَمَّا أَدْرَكَهُ الْبَصَرُ ، وَشَهِدَهُ الْبَدَنُ ، مِنَ الْمُنْكَرِ الْكَثِيرِ . الشرح والتفسير الدعم المطلق أشار الإمام عليه السلام في هذه الخطبة القصيرة إلى أياديه الكريمة وخدماته للمسلمين والتابعين لحكومته وأوجزها في أربع عبارات فقال : « وَلَقَدْ أَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ » المراد من حسن الجوار أن يعتمد الإنسان حالة التعايش السلمي المقرون بالأدب والاحترام وحسن التصرف تجاه الوسط الآخر من الأصدقاء وتحمل مساوئهم بحيث بشعرون بالارتياح لتواجده بينهم . وسيرة الإمام عليه السلام لاسيّما إبان عهد حكومته تفيد أنّه كان يعامل الآخرين بالعطف والمحبة ، حتى كان يتفقد اليتامى والأرامل ليلًا ويحمل لهم الطعام ويلبي حاجاتهم ، كما كان يداعب الأطفال ويسهر على راحتهم ، ويواسي المهمومين ويداري المخالفين ويسعى جهده للترويح عن الموالين والمحبين . على العكس تماماً من عهد حكومة عثمان الذي بالغ وولاته في ايذاء الناس ، ولم يسلم منهم حتى كبار الصحابة كأبي ذر وعمار بن ياسر وعبد اللَّه بن مسعود ، فكان أن نفى الصحابي الجليل أبا ذر إلى تلك الأرض القاحلة الجرداء حتى مات فيها ، كما اندفعت بطانته لتنال من عمار بذلك الأسلوب الهمجي البشع لمجرّد اعتراضه على بعض الممارسات ، فكسرت أسنانه وأشبعوه ركلًا ورفساً ، كما شددوا على عبد اللَّه بن مسعود حتى قيل إنّه فارق الحياة إثر التعذيب . وإن ساوى علي عليه السلام