الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

123

نفحات الولاية

القسم الثالث اعْلَمُوا ، عِبَادَ اللَّهِ ، أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُمْ ، وَعُيُوناً مِنْ جَوَارِحِكُمْ ، وَحُفَّاظَ صِدْقٍ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ ، وَعَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ ، لَاتَسْتُرُكُمْ مِنْهُمْ ظُلْمَةُ لَيْلٍ دَاجٍ ، وَلَا يُكِنُّكُمْ مِنْهُمْ بَابٌ ذُورِتَاجٍ وَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ . يَذْهَبُ الْيَوْمُ بِمَا فِيهِ ، وَيَجِيءُ الْغَدُ لَاحِقاً بِهِ ، فَكَأَنَّ كُلَّ امْرِىءٍ مِنْكُمْ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْأَرْضِ مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ ، وَمَخَطَّ حُفْرَتِهِ . فَيَا لَهُ مِنْ بَيْتِ وَحْدَةٍ ، وَمَنْزِلِ وَحْشَةٍ ، وَمُفْرَدِ غُرْبَةٍ ! وَكَأَنَّ الصَّيْحَةَ قَدْ أَتَتْكُمْ ، وَالسَّاعَةَ قَدْ غَشِيَتْكُمْ ، وَبَرَزْتُمْ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ ، قَدْ زَاحَتْ عَنْكُمُ الْأَبَاطِيلُ ، وَاضْمَحَلَّتْ عَنْكُمُ الْعِلَلُ ، وَاسْتَحَقَّتْ بِكُمُ الْحَقَايِقُ ، وَصَدَرَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ مَصَادِرَهَا ، فَاتَّعِظُوا بِالْعِبَرِ ، وَاعْتَبِرُوا بِالْغِيَرِ ، وَانْتَفِعُوا بِالنُّذُرِ . الشرح والتفسير : حضور المحكمة الإلهيّة أشار الإمام عليه السلام اتماماً لمواعظه السابقة إلى ثلاثة أمور مهمة ؛ الأول ، بشأن حفظة الأعمال ، والثاني ، الموت والقبر ، والثالث ، الحساب يوم القيامة والتي من شأنها تنبيه الغافل ويقظته من سبات الغفلة ، فقال في الأمر الأول : « اعْلَمُوا ، عِبَادَ اللَّهِ ، أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُمْ ، وَعُيُوناً مِنْ جَوَارِحِكُمْ ، وَحُفَّاظَ صِدْقٍ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ ، وَعَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ » . ثم وضح طبيعة هؤلاء المراقبين فقال : « لَا تَسْتُرُكُمْ مِنْهُمْ ظُلْمَةُ لَيْلٍ دَاجٍ « 1 » ، وَلَا

--> ( 1 ) . « داج » من مادة ( دجو ) على وزن هجو ، بمعنى الظلم ، وليل داج ، الليلة الظلماء التي لا يرى فيها القمروالنجوم