الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

120

نفحات الولاية

التي يعيشها أغلب الناس . ثم قال في توضيح هذه الحقيقة : « أَلَا فَمَا يَصْنَعُ بِالدُّنْيَا مَنْ خُلِقَ لِلآخِرَةِ ! وَمَا يَصْنَعُ بِالْمَالِ مَنْ عَمَّا قَلِيلٍ يُسْلَبُهُ ، وَتَبْقَى عَلَيْهِ تَبِعَتُهُ « 1 » وَحِسَابُهُ ! » . إن كانت دارنا الأصلية هي دار الآخرة والدار الدنيا ليست سوى ممر فما معنى تعلقنا بهذه الدنيا ؟ وما معنى كل هذا السعي والجهد من أجل جني الأموال ولو عن طريق مزج الحلال بالحرام وهي ليست سوى وديعة لدينا وإنّ يوماً سنفارقها ونحاسب عليها ؟ ثم استعان الإمام عليه السلام في اطار حثه الآخرين على الخير والإحسان واجتناب الشر والسوء بمنطقين مؤثرين ؛ الأول الذي قال فيه : « عِبَادَ اللَّهِ ، إِنَّهُ لَيْسَ لِمَا وَعَدَ اللَّهُ مِنَ الْخَيْرِ مَتْرَكٌ ، وَلَا فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مَرْغَبٌ » . إشارة إلى أنّ من أمر ونهى ووعد بالثواب وتوعد بالعقاب ليس فرداً عادياً يمكن الريبة في كلامه . والثاني الذي قال فيه : « عِبَادَ اللَّهِ ، احْذَرُوا يَوْماً تُفْحَصُ فِيهِ الْأَعْمَالُ ، وَيَكْثُرُ فِيهِ الزِّلْزَالُ وَتَشِيبُ « 2 » فِيهِ الْأَطْفَالُ » . ففي ذلك اليوم ستخضع جميع الأعمال مهما كانت صغيرة لدراسة دقيقة ، كما قال القرآن الكريم : « يَا بُنَىَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ » « 3 » ، والمراد من كثرة الزلازل في ذلك اليوم زلزلة الافكار وارتعاد القلوب من هول المحشر وخوف نتيجة الأعمال . صحيح أنّ نهاية العالم ستشهد زلزلة بمعناها الحقيقي والتي تقلب كل شيء رأساً على عقب ، وما ورد في العبارة إشارة إلى الزلزلة الفكرية والاضطراب الذي يعانيه الإنسان في ساحة الحشر . والعبارة

--> ( 1 ) . « تبعة » من مادة ( تبع ) على وزن خبر ، بمعنى المتابعة ، ويطلق تبعة العمل على الجزاء الذي يطال الإنسان‌بعد مقارفته المعصية ( 2 ) . « تشيب » من مادة ( شيب ) على وزن عيب ، بمعنى بياض الشعر ، وتطلق عادة على الكهول ، وشيب : على وزن‌سيب ، جمع أشيب بمعنى الكهول في مقابل الشباب ، والشبيبة بمعنى الشباب ( 3 ) . سورة لقمان ، الآية 16