الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

12

نفحات الولاية

وبيَّن نتيجة تلك الفتن التي يعصف بلاؤها بالناس . ثم أوصى الناس بالتحلي باليقظة والحذر بغية التقليل من الخسائر حين تهب رياح الحوادث المعتمة وتستفحل الفتن عند ظهور اجنتها وانتصاب محورها وحركة رحاها « وَتَثَبَّتُوا فِي قَتَامِ « 1 » الْعِشْوَةِ « 2 » ، وَاعْوِجَاجِ الْفِتْنَةِ عِنْدَ طُلُوعِ جَنِينِهَا ، وَظُهُورِ كَمِينِهَا ، وَانْتِصَابِ قُطْبِهَا ، وَمَدَارِ رَحَاهَا » . فالأمام عليه السلام يشبّه الفتنة في هذه العبارة بالجنين الذي يترعرع بصورة خفية ويولد فجأة تارة ، وتارة أخرى يعدّها كالرحى التي يقام محورها بادئ الأمر ثم تدور حوله ، وتشير الشواهد التاريخية إلى أنّ الفتن كذلك حقّاً ، فهي مراحل تتبلور أثر بعض العوامل الاجتماعية المختلفة لتنفجر فجأة ويطفو على السطح مايعتصر في باطن المجتمع ، ثم يتطرق الإمام عليه السلام مواصلًا كلامه إلى الملامح الأخرى لتبلور الفتن على أنّها تبدأ من مراحل خفية لتظهر في خاتمة المطاف بوجهها الخطير ، وهي تنمو وتنتشر بسرعة على غرار نمو الشباب وتسدّد ضرباتها الموجعة إلى جسد المجتمع « تَبْدَأُ فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ ، وَتَؤُولُ إِلَى فَظَاعَةٍ جَلِيَّة . شِبَابُهَا كَشِبَابِ « 3 » الْغُلَامِ ، وَآثَارُهَا كَآثَارِ السِّلَامِ « 4 » » . هنالك خلاف بين شرّاح نهج البلاغة في الفتنة التي أشار إليها الإمام عليه السلام في هذه العبارة وحذّر منها ؛ ويبدو أنّ المراد بها فتنة بني أمية التي بدأت منذ عهد عثمان وبرزت بقتله ثم بلغت ذروتها إثر خلافة معاوية ويزيد وعبد الملك بن مروان ومن سار في فلكهم ، وقد اتّضحت هذه الفتنة وتجلّت فضيحتها بشتم أمير المؤمنين علي عليه السلام من على منابر المسلمين وتلك الضربات التي وجهت إلى الإسلام بحيث لو وضعت على جبل لتصدّع .

--> ( 1 ) . « قتام » بمعنى الغبار ( 2 ) . « العشوة » ركوب الأمر على غير بيان ( 3 ) . « شباب » بكسر الشين أي بداياتها في عنفوان وشدة كشباب الغلام وفتوته ، وقد وردت هذه المفردة بكسر الشين في بعض نسخ نهج البلاغة وبالفتح في البعض الآخر ( 4 ) . « السلام » بكسر السين جمع سلمة ، على وزن كلمة بمعنى الحجارة الصم .