الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
107
نفحات الولاية
فَبِأَىِّ الْمَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذلِكَ ؟ أَبِمَنْزِلَةِ رِدَّةِ « 1 » ، أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةِ ؟ فَقَالَ : « بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةِ » . يبدو أنّ هؤلاء الأفراد يقرون بالتوحيد والنبوّة وكان انحرافهم في القضايا العملية ، ولم يكونوا منكرين حتى لضروريات الدين وكانوا يسعون لتمويه ما يقترفون من محرمات بغطاء الحلال ، وعليه لا يجري عليهم حكم الارتداد ، ولم يعاملهم الإمام عليه السلام كمرتدين . تأمّل : الحرام لا يحلل بالزيف ما أورده النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بشأن الفتنة لا يقتصر على عهد علي عليه السلام بل يمتد ليشمل كل العصور بما فيها عصرنا الراهن . فهنالك العديد من الأفراد الذي يظنون أنّهم في ركب المؤمنين حين يجري الكلام عن الأموال والثروة غير المشروعة وكأنّهم يمنون على اللَّه بإسلامهم ويطمعون بعفوه ورحمته . والأسوأ من ذلك ارتكاب الكبائر في إطار بعض العناوين المباحة والمزيفة ، بعبارة أخرى يرتكبون هذه المخالفات من خلال التحايل على القانون واستغلال بعض فقراته المرنة . ولعلنا نشاهد اليوم أغلب المرابين الذين يتشبثون بمختلف الحيل ، تارة باسم تبديل العملات النقدية بأخرى ، وتارة أخرى عن طريق « ضم الضميمة » أي أنّهم يضمون إلى المعاملة شيئاً زهيد القيمة فيبيعونه بقيمة فادحة ، وأحياناً باسم تقاضى الأجور وأخرى ببيع الشروط الكاذبة أو حق العمل وذريعة التضخم وسائر العناوين الكاذبة والزائفة لإضفاء الحلية على الربا ، حتى عدنا نلمس بوضوح ما قاله النبي صلى الله عليه وآله بهذا الخصوص « يَأتِي عَلَى النَّاسَ زَمانٌ لايَبقَى أَحَدٌ إِلَّا أَكَلَ الرِّبا فَإنْ لَمْ يَأكُلْهُ أَصابَهُ مِنْ غُبارِهِ » « 2 » . حقّاً أنّ هذا النوع من المخالفة للقوانين الشرعية هو أسوأ وأخطر من
--> ( 1 ) . « ردّة » على وزن مكة الرجوع عن شيء ، و ( ردّة ) على وزن فتنة ، الرجوع عن الدين ، وهذا هو المعنى المراد فيالعبارة المذكورة في الخطبة ( 2 ) . مستدرك الوسائل ، ج 13 ، ص 233